حبيب الله الهاشمي الخوئي
216
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة ) أي بأبصار مريضة ولذلك خفيت عليهم معايبهم ( وضربوا منهم في غمرة جهالة ) أي خاضوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر الجهل والغفلة ولذلك افتخروا بمصارعهم . ( ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الدّيار ) أي ديارهم ( الخاوية ) منهم ( والرّبوع ) أي منازلهم ( الخالية ) عنهم ( لقالت ) بلسان حالها ( ذهبوا في الأرض ضلَّالا ) هالكين ( وذهبتم في أعقابهم جهّالا ) غافلين ( تطئون في هامهم ) أي تمشون في رؤوسهم ، وتخصيصها بالذّكر لأنّها أشرف الأعضاء والوطئ عليها أبلغ في إظهار استهانتهم المنافية للمفاخرة بهم المسوق له الكلام ، وقد أخذ أبو العلاء المعرّي هذا المعنى في نظمه قال : خفّف الوطئ ما أظنّ أديم الأرض إلَّا من هذه الأجساد ربّ لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد ودفين على بقايا دفين من عهوده الاباء والأجداد صاح هذا قبورنا تملاء الأرض فأين القبور من عهد عاد سران استطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رقاب العباد ( وتستنبتون في أجسادهم ) أي تنبتون فيها النباتات وتزرعون الزّراعات لأنّ أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الأموات يكون الزّرع لا محالة في التّراب المستحيل من أجزاء الحيوانات ، وعلى رواية تستثبتون بالثّاء فالمراد أنّكم تنصبون في أجسادهم الأشياء المثبتة من الأوتاد والدّعائم والأساطين وغيرها . ( وترتعون فيما لفظوا ) أي تأكلون ممّا تركوا ( وتسكنون فيما خرّبوا ) أي تسكنون في بيوت ارتحلوا عنها وفارقوها ، فانّ البيوت إنّما تكون عامرة بأهلها ، فالتخريب كناية عن الارتحال أو المراد أنّهم لم يعمروها بالعبادة والطاعات وقد فسّرت العمارة في قوله تعالى * ( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله ) * بذلك قالوا : عمارتها شغلها بالعبادة وتجنّب أعمال الدّنيا واللَّهو وإكثار زيارتها .