حبيب الله الهاشمي الخوئي
214
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
والمراد بالخطر الهلاك هلاك من في المقابر المشار إليه بقوله تعالى * ( زُرْتُمُ الْمَقابِرَ ) * وأشار عليه السّلام بقوله : ما أفظعه إلى شدّة شناعته وغاية قباحته ، لأنّ كلّ شنيع حقير عند شناعة الموت ، فانّ المرء عند الموت وحالة الاحتضار في سكرة ملهية وغمرة كارثة وأنّه موجعة وجذبة مكربة وسوقة متعبة ، وهو بين أهله لا ينطق بلسانه ولا يسمع بسمعه يردّد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ، ثمّ قبض بصره كما قبض سمعه وبعد ما خرج الرّوح من جسده صار جيفة بين أهله قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه ، ثمّ حمل إلى دار غربته ومنقطع زورته ، وابتلى هنا لك ببهتة السؤال وعثرة الامتحان متقلَّبا بين أطوار الموتات وعقوبات الساعات ونزل الحميم وتصلية الجحيم ، فأىّ شيء يكون أعظم فظاعة منه . ولمّا نبه عليه السّلام على عظم فظاعة هلاك المزورين تعريضا به على الزّائرين حيث لم يعتبروا بهم مع كونهم محلّ العبرة أكَّده بقوله : ( لقد استخلوا منهم أىّ مذّكر ) أي استخلوا الدّيار ، فالمفعول محذوف والمعنى أنّ الزّائرين المتفاخرين بالأموات وجدوا الدّيار خالية منهم أي من المزورين حالكونهم كاملين في التّذكير والادكار وهذا المعنى أقرب وأنسب ممّا ذكره الشارح المعتزلي حيث قال : أراد باستخلوا ذكر من خلا من آبائهم أي من مضى ، والمعنى أنّه عليه السّلام استعظم ما يوجبه حديثهم عمّا خلا وعمّن خلا من أسلافهم وآثار أسلافهم من التّذكير فقال أىّ مذّكر وواعظ في ذلك . ( وتناوشوهم من مكان بعيد ) أي تناولوهم من مكان بعيد بينهم وبينهم بعد المشرقين بل يزيد لبقاء المتناوشين في الدّنيا ومصير الآخرين إلى الآخرة فكيف يمكن لمن في الدّنيا تناول من في الآخرة وتفاخره به وكسب الفخر والشرف منه لنفسه وقد قال تعالى في عكس ذلك « وأنّى لهم التّناوش من مكان بعيد » أي كيف يمكن لهم تناول الايمان في الآخرة وقد كفروا به في الدّنيا ، يعنى ما محلَّه الدّنيا لا يمكن أن يتناوله من هو في الآخرة لغاية بعد الدّارين وتباعد النّشأتين .