حبيب الله الهاشمي الخوئي
193
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ولكيفيّة سلوكه ولمال أمره ولعمرى إنّه لا يوجد كلام أوجز من هذا الكلام في أداء هذا المعني ، وهو في الحقيقة قطب دائرة العرفان وعليه مدارها ، وفي الايجاز الَّذي هو فنّ نفيس من علم البلاغة تالي كلام الملك الرّحمن ، مثل قوله : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) * الجامع للزّهد كلَّه وقوله » خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين « الجامع لمكارم الأخلاق جميعا ، وشرحه يحتاج إلى بسط في المقال بتوفيق الربّ المتعال فأقول مستعينا باللَّه وبوليّه عليه السّلام : قوله عليه السّلام ( قد أحيا عقله وأمات نفسه ) المراد بعقله العقل النظري والعملي وبنفسه النفس الأمّارة بالسّوء والمراد بحياة الأوّل كونه منشئا للآثار المترتّبة عليه مقتدرا على تحصيل الكمالات والمعارف الحقّة ومكارم الأخلاق المحصّلة للقرب والزّلفي لديه تعالى ، وبموت الثّاني بطلان تصرّفاته وآثاره المبعدة عنه عزّ وجلّ بحذافيره ، فانّ الحياة والموت عبارة أخرى عن الوجود والعدم لا أثر له أصلا . وأراد باحيائه الأوّل وإماتته الثاني تقويته وتغليبه له عليه بحيث يكون الأوّل بمنزلة سلطان قادر قاهر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، والثاني بمنزلة عبد ذليل داخر مقهور لا يريد ولا يصدر إلَّا بإذن مولاه . ولا يحصل تقوية الأوّل وتذليل الثاني إلَّا بملازمة الكمالات العقلانية والمجاهدة والرّياضة النفسانية ، والمجاهدة عبارة عن ذبح النفس بسيوف المخالفة كما قال تعالى * ( وأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّه ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) * وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لما بعث سرية ورجعوا : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقى عليهم الجهاد الأكبر ، فقيل : يا رسول اللَّه وما الجهاد الأكبر قال : جهاد النفس . وقال بعض أهل العرفان : جاهد نفسك بأسياف الرّياضة والرّياضة على أربعة أوجه القوت من الطعام ، والغمض من المنام ، والحاجة من الكلام ، وحمل الأذى من جميع الأنام ، فيتولَّد من قلَّة الطعام موت الشهوات ، ومن قلَّة المنام صفو الإرادات ،