حبيب الله الهاشمي الخوئي
103
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يأخذون العلوم الحقّة والمعارف اليقينية من عين صافية ويستقون بكأس مروية ( ويصدرون ) عنها ( بريّة ) لا ظمأ بعدها . وأما غيرهم فقد استقوا من سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد اللَّه عنده فوفّاه حسابه واللَّه سريع الحساب . ( لا تشوبهم الرّيبة ) يحتمل أن يكون المراد نفى الشكّ عنهم لشدّة يقينهم ومزيد تقواهم ورسوخهم في الايمان . قال الرّضا عليه السّلام فيما رواه في الكافي عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عنه عليه السّلام : الايمان فوق الاسلام بدرجة ، والتّقوى فوق الايمان بدرجة ، واليقين فوق التّقوى بدرجة ، ولم يقسم بين العباد شيء أقلّ من اليقين . ويحتمل أن يكون المراد نفى التّهمة وسوء الظنّ أي لا يتّهم بعضهم بعضا لأنّه إذا اتّهم المؤمن أخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء ، رواه في الكافي عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام . ( ولا تسرع فيهم الغيبة ) أي إذا أراد أحد غيبتهم فلا يتسرّع غيبته إليهم كما يتسرّع إلى غيرهم بطهارة نفوسهم من القبايح والمساوى الموجبة لسرعتها بما لهم من ملكة العصمة والعدالة ( على ذلك ) أي على ما ذكر من الأوصاف الكماليّة ( عقد ) اللَّه ( خلقهم وأخلاقهم ) يعنى أنّ اتّصافهم بتلك الكمالات ليس بتكلَّف ، بل هي مقتضى سجيتهم وهم مجبولون عليها لأنّ طينتهم عليهم السّلام من أعلا عليّين وشيعتهم مخلوقة من فاضل طينتهم عجينة بنور ولايتهم . كما قال الصادق عليه السّلام : شيعتنا منّا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا . وفى الكافي باسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلقنا من أعلا عليّين وخلق قلوب شيعتنا ممّا خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك وقلوبهم تهوى إلينا لأنّها خلقت ممّا خلقنا منه ، ثمّ تلى هذه الآية * ( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ . وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ . كِتابٌ ) *