حبيب الله الهاشمي الخوئي

23

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

روى ورقة بن عبد اللَّه الأزدي قال : خرجت حاجّا إلى بيت اللَّه الحرام راجيا لثواب اللَّه ربّ العالمين فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام وهى تنادى بفصاحة منطقها وتقول : اللهمّ ربّ الكعبة الحرام والحفظة الكرام وزمزم والمقام والمشاعر العظام وربّ محمّد خير الأنام البررة الكرام أن تحشرني مع ساداتي الطَّاهرين وأبنائهم الغرّ المحجلين الميامين ، ألا فاشهدوا يا جماعة الحجّاج والمعتمرين إنّ مواليّ خيرة الأخيار وصفوة الأبرار الذين علا قدرهم على الأقدار وارتفع ذكرهم في ساير الأمصار المرتدين بالفخار . قال ورقة بن عبد اللَّه فقلت : يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيت ، فقالت أجل قلت : ومن أنت من مواليهم قالت : أنا فضّة أمة فاطمة الزّهراء ابنة محمّد المصطفى صلَّى اللَّه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها ، فقلت لها : مرحبا بك وأهلا وسهلا فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك فأريد منك الساعة أن تجيبني من مسألة أسألك فإذا أنت فرغت من الطواف قفى لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة فافترقنا في الطواف . فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا بها جالسة في معزل عن الناس ، فأقبلت إليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة ثمّ قلت لها : يا فضّة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزّهراء عليها السلام وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله سلَّم . قال ورقة : فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناه بالدّموع ثمّ انتحبت نادبة وقالت : يا ورقة بن عبد اللَّه هيّجت عليّ حزنا ساكنا وأشجانا في فؤادي كانت كامنة فاسمع الان ما شاهدت منها . اعلم أنه لما قبض رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم افتجع له الصغير والكبير وكثر عليه البكاء وقلّ العزاء وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ، ولم تلق إلَّا كلّ باك وباكية ونادب ونادبة ، ولم يكن في أهل الأرض