حبيب الله الهاشمي الخوئي

49

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وثانيها قوله : أذلَّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين ، وهو صفة أبي بكر أيضا للدّليل الَّذي قدّمناه . ويؤكَّده ما روى في الخبر المستفيض أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : أرحم امّتي بامّتي أبو بكر ، فكان موصوفا بالرّحمة والشفقة على المؤمنين ، وبالشدّة مع الكفّار . ألا ترى أنّ في أوّل الأمر حين كان الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في مكَّة وكان في غاية الضعف كيف كان يذبّ عن الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكيف كان يلازمه ، ويخدمه ، وما كان يبالي بجبابرة الكفّار وشياطينهم وفي آخر الأمر أعنى وقت خلافته كيف لم يلتفت إلى قول أحد وأصرّ على أنه لا بدّ من المحاربة مع مانعى الزكاة حتى آل الأمر إلى أن خرج إلى قتال القوم وحده حتى جاء أكابر الصحابة وتضرّعوا إليه ومنعوه من الذهاب . ثمّ لما بلغ بعث العسكر إليهم انهرموا وجعل اللَّه ذلك مبدء لدولة الاسلام ، فكان قوله : * ( أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ) * ، لا يليق إلَّا به . وثالثها قوله : يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم ، فهذا مشترك فيه بين أبى بكر وعلىّ إلَّا أنّ حظَّ أبى بكر فيه أتمّ وأكمل . وذلك لأنّ مجاهدة أبى بكر مع الكفار كان في أوّل البعث ، وهناك الاسلام كان في غاية الضعف ، والكفر كان في غاية القوّة ، وكان يجاهد الكفار بمقدار قدرته ويذبّ عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بغاية وسعه . وأما عليّ عليه السّلام فإنه إنما شرع في الجهاد يوم بدر وأحد ، وفى ذلك الوقت كان الاسلام قويّا وكانت العساكر مجتمعة . فثبت أنّ جهاد أبى بكر كان أكمل من جهاد عليّ عليه السّلام من وجهين : الأوّل أنه كان متقدّما عليه في الزّمان لقوله تعالى : * ( وما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله ولِلَّه ) * والثاني جهاد أبي بكر كان في وقت ضعف الرّسول وجهاد علىّ كان في وقت القوّة . ورابعها قوله : ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء ، وهذا لايق بأبي بكر لأنّه متأكَّد