حبيب الله الهاشمي الخوئي
217
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأمّا البراء بن عازب فانّه ولَّاه معاوية اليمن فمات بها ومنها كان هاجر . فقد ظهر بذلك أنّ المستحفظين هم المكلَّفون بحفظ الأمور المهمّة المعتدّ بها في أمر الدين ، وأنّ تخصيصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون إليهم . واما أنّه عليه السّلام ما ردّ على اللَّه ورسوله أبدا فهو معلوم محقّق لا خفاء فيه بل من ضروريّات المذهب لملكة العصمة المانعة من مخالفته للَّه ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وآله . وقال الشّارح المعتزلي : والظاهر أنّه يرمز في قوله عليه السّلام : لم أردّ على اللَّه ولا على رسوله ساعة قط ، إلى أمور وقعت من غيره كما جرى يوم الحديبيّة عند سطر كتاب الصّلح ، فانّ بعض الصحابة أنكر ذلك ، وقال : يا رسول اللَّه ألسنا المسلمين قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : بلى قال : أوليسوا الكافرين قال : بلى ، قال : فكيف نعطي الدّنية من دنيانا واللَّه لو أجد أعوانا لم أعط الدّنية أبدا ، فقال أبو بكر لهذا القائل : ويحك الزم غرزه ( 1 ) فو اللَّه إنّه لرسول اللَّه وإنّ اللَّه لا يضيعه ، ثمّ قال له : أقال لك أنّه سيدخلها هذا العام قال : لا ، قال : فسيدخلها ، فلمّا فتح النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مكَّة وأخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال : هذا الَّذى وعدتم به . قال الشّارح : واعلم أنّ هذا الخبر صحيح لا ريب فيه ، والنّاس كلَّهم رووه وليس عندي بقبيح ولا بمستهجر أن يكون سؤال هذا الشخص رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد والتماسا لطمأنينة النّفس . فقد قال اللَّه تعالى لخليله إبراهيم * ( وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ ) * . وقد كانت الصحابة يراجع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في الأمور وتسأله عمّا يثبتهم عليها وتقول له أهذا منك أم من اللَّه . وأمّا قول أبي بكر له : الزم غرزه فو اللَّه انّه لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، فانّما هو تأكيد وتثبيت على عقيدته الَّتي في قلبه ، ولا يدلّ ذلك على الشّك فقد قال اللَّه تعالى لنبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله * ( » ولَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) * وكلّ أحد لا يستغنى عن زيادة اليقين والطمأنينة .
--> ( 1 ) - أي ركابه ، منه .