حبيب الله الهاشمي الخوئي

173

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إذا عرفت ذلك فأقول : إنّه عليه السّلام قبل أن يأخذ في وصف المنافقين افتتح كلامه بما جرى عادته على الافتتاح به في باب الخطابة من ثناء اللَّه تعالى وتعظيمه وتمجيد رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال ( بحمده على ما وفق له من الطاعة وذاد عنه من المعصية ) أي نحمده على ما وفّقنا له من طاعاته الموصلة إلى جنانه والمحصلة لرضوانه ، وعلى ما أبعدنا منه من سيئاته المؤدية إلى نيرانه ، والموجبة لخذلانه . وحصول هذا التوفيق منه عزّ وجلّ في حقه عليه السّلام بما أفاض عليه من القوّة العاصمة وملكة العصمة الدّاعية إلى المعروف والرّادعة عن المنكر . واما في حقّ غيره الذين شرّكهم ( 1 ) معه في ثنائه فبالأوامر والنواهي الواردة في الكتاب والسّنة واجتماع شرايط الطاعة وانقطاع أسباب المعصية . ( ونسأله لمنّته تماما ) أي نسأل منه عزّ وجلّ أن يتمّ علينا نعمته ، فانّه المنّان الذي يبدء بالنوال قبل السؤال . والمراد بنعمته التي سأل تمامها إما خصوص نعمة التوفيق المذكورة في الجملة السابقة أو الأعمّ منها ، والأوّل أولى بسبق العهد ، والثاني أنسب بمقام السؤال فان قلت : نعم اللَّه سبحانه غير متناهية كما قال عزّ من قائل * ( « وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا » ) * فكيف سأل تماميّتها وهى أجلّ عن أن تستقصى وأعظم من أن تستتمّ . قلت : إن أريد بمنّته خصوص نعمة التوفيق فلا إشكال ، ويراد حينئذ بتماميّتها كمالها واستمرارها إلى آخر العمر ، وإن أريد الأعمّ فيراد بتماميّتها أن ينضمّ ما أنعم به عليه في الدّنيا إلى نعمة الآخرة أي يصل نعمة الدّنيا بنعمة الآخرة كما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى * ( وكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَه عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) * من أنّ المراد بقوله يتمّ نعمته أن يصل نعمة الدّنيا بنعمة الآخرة بأن يجعلهم أنبياء وملوكا ثمّ ينقلهم إلى نعيم الآخرة والدّرجات العلى من الجنّة ( و ) نسأله ( بحبله اعتصاما ) أي تمسّكا بكتابه المبين ، فانّه حبل اللَّه المتين

--> ( 1 ) - حيث قال : نحمده بصيغة المتكلَّم مع الغير منه