حبيب الله الهاشمي الخوئي

122

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولا المحبّة إلَّا باستخراج الدّين واتباع الهوى ، فمن أدرك ذلك الزّمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى ، وصبر على البغضة وهو يقدر على المحبّة ، وصبر على الذّل وهو يقدر على العزّ آتاه اللَّه ثواب خمسين صدّيقا ممّن صدّق بي ، هذا وفي وصف أيّام الصبر بالقصر والرّاحة بالطول تحريص وترغيب اليه ، وأكَّد ذلك بقوله ( تجارة مربحة ) استعار لفظ التجارة لاكتسابهم الرّاحة في مقابل الصبر ، ورشّح بلفظ الرّبح . وكونها مربحة باعتبار قصر مدّة الصّبر على المكاره وطول مدّة الرّاحة وفناء الشّهوات الدّنيويّة واللَّذائذ النّفسانيّة وبقاء السّعادات الاخرويّة مضافة إلى خساسة الأولى في نفسها وحقارتها ، ونفاسة الثّانية وشرافتها . وأكَّد ثالثا بقوله ( يسّرها لهم ربّهم ) يعني أنّ فوزهم بتلك النّعمة العظمى والسّعادة الدّائمة قد حصل بتوفيق اللَّه سبحانه وتأييده ولطفه ، ففيه ايماء إلى توجّه العناية الرّبانيّة إليهم وشمول الألطاف الالهيّة عليهم وإلى كونهم بعين رحمة اللَّه وكرامته والخامس عشر أنّهم ( أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ) أي أرادت عجوزة الدّنيا أن تفتنهم وتغرّهم وأن يتزوّجوا بها ، فأعرضوا عنها وزهدوا فيها بما كانوا يعرفونه من حالها وأنّها قتّالة غوّالة ظاهرة الغرور كاسفة النّور يونق منظرها ويوبق مخبرها قد تزيّنت بغرورها وغرّت بزينتها لا تفي بأحد من أزواجها الباقية كما لم تف بأزواجها الماضية . ( و ) السادس عشر أنّ الدّنيا ( أسرتهم ففدوا أنفسهم منها ) الأشبه أن يكون المراد بقوله : أسرتهم ، هو الاشراف على الأسر ، يعني أنّهم بمقتضى المزاج الحيواني والقوى النّفسانيّة الَّتي لهم كاد أن تغرّهم الدّنيا فيميلوا إليها ويقعوا في قيد اسره وسلسلة رقيّته ، لكنّهم نظروا إليها بعين البصيرة وعرفوها حقّ المعرفة وغلب عقلهم على شهوتهم فرغبوا عنها وزهدوا فيها وأعرضوا عن زبرجها وزخارفها ، فالمراد بفداء أنفسهم منها هو الاعراض عن الزّخارف الدّنيويّة ، فكأنّهم بذلوا تلك الزّخارف