حبيب الله الهاشمي الخوئي
119
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
سبحانه عظيم السلطان عظيم الشأن وغيره أسير في ذلّ الامكان مفتقر اليه لا يقدر على شيء إلَّا باذنه . وأشار عليه السّلام بهذا الوصف إلى شدّة يقين المتّقين وغاية توكَّلهم وأنّ اعتصامهم في جميع أمورهم به وتوكلهم عليه وأنهم لا يهابون معه ممّن سواه . روى في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : ليس شيء إلَّا وله حدّ قال : قلت : جعلت فداك فما حدّ التوكَّل قال : اليقين ، قلت : فما حدّ اليقين قال : ألَّا تخاف مع اللَّه شيئا . وعن مفضل عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى داود : ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته ثمّ تكيده السماوات والأرض ومن فيهنّ الَّا جعلت له المخرج من بينهنّ ، وما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته إلَّا قطعت أسباب السماوات من يده وأسخت الأرض من تحته ولم ابال بأيّ واد هلك ، هذا . ولما ذكر في الوصف السابع شدّة اشتياق المتّقين إلى الجنّة وخوفهم من العقاب أتبعه بقوله ( فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون وهم والنار كمن قد رآها وهم فيها معذّبون ) إشارة إلى أنهم صاروا في مقام الرّجاء والشوق إلى الثواب وقوّة اليقين بحقايق وعده سبحانه بمنزلة من رأى بحسّ بصره الجنّة وسعادتها ، فتنعّموا فيها والتذّوا بلذائذها ، وفى مقام الخوف من النار والعقاب وكمال اليقين بحقايق وعيده تعالى بمنزلة من شاهد النّار وشقاوتها فتعذّبوا بعذابها وتألَّموا بالامها . ومحصّله جمعهم بين مرتبتي الخوف والرّجاء وبلوغهم فيه إلى الغاية القصوى ، وهي مرتبة عين اليقين كما قال عليه السّلام مخبرا عن نفسه . لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ، وهذه المرتبة أعني مرتبة عين اليقين مقام جليل لا يبلغه إلَّا الأوحدي من النّاس . وقد روى في الكافي عن إسحاق بن عمّار قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول : إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم صلَّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفرّا لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه ، فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله :