حبيب الله الهاشمي الخوئي

95

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

قال : وقال بعض الشارحين : إنما يريد بالحفظ أنّه يحفظ عباده ويحرسهم ولا يتحفّظ منهم أي لا يحتاج إلى حراسة نفسه منهم وهو بعيد الإرادة هنا ، انتهى . أقول : الحفظ قد يطلق على الحفظ عن ظهر القلب يقال حفظ القرآن إذا وعاه على ظهر قلبه . وقد يطلق على الحراسة والوقاية من المكاره يقال حفظه أي حرسه والتحفّظ هو قبول الحفظ عن الغير على كون تاء التفعل للمطاوعة أو تكلَّف الحفظ كما في قولك تحلَّم زيد ، أي استعمل الحلم وكلَّف نفسه إيّاه ليحصل ، فمعنى التكلَّف هو أن يتعانى الفاعل ذلك الفعل ليحصل بمعاناته فيقتضي أن يكون الفعل غير ثابت للفاعل ويكون الفاعل طالبا لتحصله بالممارسة ، وقال في القاموس التحفّظ هو الاحتراز وفسّر الاحتراز كالتحرّز بالتوقّى ولعلَّه مبنيّ على جعل تاء للاتّخاذ فمعنى التحفظ هو اتّخاذ الحفظ أي اتّخاذ الحرز والوقاية . إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الحفظ قد استند إلى اللَّه سبحانه في غير واحدة من الآيات قال تعالى * ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ ) * وقال * ( هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْه ِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيه ِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) * وقال * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَه ُ لَحافِظُونَ ) * وقال * ( إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) * وقال * ( وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) * إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره . والحفيظ والحافظ من جملة أسمائه الحسنى فلا غبار في وصفه سبحانه بالحفظ على المعنى الثّاني أعني الوقاية والحراسة ، وهو المراد به في الآية الأولى والثانية والثالثة أيضا وفي غيرها احتمالا ، وأمّا على المعنى الأوّل أعنى الحفظ عن ظهر القلب فلا ، لأنّه سبحانه منزّه عن القلب والجوارح اللَّهم إلَّا أن يراد به العلم مجازا ، لأنّه بهذا المعنى مستلزم للعلم ، فالحفيظ هو العليم والحافظ هو العالم اطلق اسم الملزوم على اللَّازم تجوّزا . قال في القاموس : والحفيظ في الأسماء الحسنى الذي لا يعزب عنه شيء في السماوات ولا في الأرض تعالى شأنه .