حبيب الله الهاشمي الخوئي
57
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
واستفاض عيونها ، وخدّ أوديتها ، فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قوّاه . هو الظَّاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته والعالي على كلّ شيء منها بجلاله وعزّته ، لا يعجزه شيء منها طلبه ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السّريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذيمال فيرزقه ، خضعت الأشياء له ، وذلَّت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره ، فتمتنع من نفعه وضرّه ، ولا كفوء له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه . هو المفنى لها بعد وجودها حتّى يصير موجودها كمفقودها ، وليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ، وكيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلَّدة أممها وأكياسها ، على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السّبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ، ورجعت خاسئة حسيرة ، عارفة بأنّها مقهورة ، مقرّة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضّعف عن إفنائها . وإنّه سبحانه يعود بعد فناء الدّنيا ، وحده لا شيء معه ، كما كان