حبيب الله الهاشمي الخوئي

330

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عليه إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تسمع ولا تبصر ، فجعلها بيته الحرام الَّذي جعله للنّاس قياما ، ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقلّ نتائق الدّنيا مدرا ، وأضيق بطون الأودية قطرا ، بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، ولا حافر ، ولا ظلف ، ثمّ أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوى إليه ثمار الأفئدة ، من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا يهلَّلون للَّه حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار جمّ الأشجار ، داني الثّمار ، ملتفّ النبي متّصل القرى ، بين برّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ،