حبيب الله الهاشمي الخوئي
272
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
سجدتهم وإباء إبليس عنها وساير ما يتعلَّق بهذا العنوان في شرح الفصل الحادي عشر من المختار الأوّل فليتذكَّر ، وأشار إلى علَّة امتناع إبليس من السجدة بقوله : ( اعترضته الحميّة ) والعصبيّة والانيّة ( فافتخر على آدم بخلقه وتعصّب عليه لأصله ) أي تعزّز بخلقة النار واستوهن خلق الصلصال فقال * ( « قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » ) * * ( « قالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَه ُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ » ) * . وفى الحقيقة استفهامه ذلك كان اعتراضا على اللَّه عزّ وجلّ وإنكارا عليه بأنه كيف يسوغ له أن يأمر الأشرف بتعظيم الأدنى ويرجّح المخلوق من الطين على المخلوق من النّار . وقد غلط الملعون في اعتراضه وأخطأ في قياسه ، حيث قصر نظره بما للنار من النور ولم يمعن النظر فيما لادم من النور الذي يضحى عنده كلّ نور وهو نور الأشباح الخمسة الذي كان آدم وعاء له وكان أمر الملائكة بالسّجود لأجله ، وقد بيّنا فساد قياس الملعون في شرح الفصل الحادي عشر من المختار الأوّل بوجوه عديدة ( فعدوّ اللَّه ) إبليس ( امام المتعصّبين ) ومقتديهم حيث إنّه أوّل من أسّس أساس العصبية ( وسلف المستكبرين ) ومقدمهم لأنه أوّل من بنا بنيان الاستكبار والنخوة واليه أشار بقوله : ( الذي وضع أساس العصبيّة ونازع اللَّه رداء الجبريّة ) جعل استكباره وادّعاءه لما ليس له وانتحاله للصفة الخاصة باللَّه سبحانه وهو صفة الكبرياء والجبروت بمنزلة منازعته إياه سبحانه ، فتجوّز بلفظ المنازعة عن ذلك . وبعبارة أوضح كما أنّ من نازع لاخر في شيء يريد أن يجذب باب النزاع إلى نفسه ويستأثر به ، فكذلك ذلك الملعون لتكبّره صار بمنزلة المنازع للَّه المريد للاستيثار بصفة الكبرياء . ( وادّرع لباس التعزّز ) والتجبّر الذي هو وظيفة الرّبوبيّة ( وخلع قناع التذلَّل ) والتواضع الذي هو وظيفة العبوديّة .