حبيب الله الهاشمي الخوئي

251

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ثمّ أشار إلى عموم منفعتها وعدم اختصاص مطلوبيّتها بالمخاطبين فقال : ( لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم والغابرين ) أي لم تزل تعرض نفسها على اللَّف والخلف كالمرأة الصالحة الحسناء العارضة نفسها على الرجال للتزويج والاستمتاع والانتفاع منها في محن الدّهر ونوائب الزّمان وكذلك هذه عرضت نفسها على الأمم لينتفعون بها في الدّنيا . ( ولحاجتهم إليها غدا ) أي في العقبى ( إذا أعاد اللَّه ما أبدا وأخذ ما أعطى وسأل عمّا أسدى ) يعني أنهم محتاجون إليها إذا أنشر اللَّه الموتى وإذا أخذ من الناس ما خوّلهم من متاع الدّنيا ، وإذا سأل العباد عما أسدى وأحسن إليهم من النعم والآلاء ، أو إذا سأل عما أسداه وأهمله من الجوارح والأعضاء . وإنما كانوا محتاجين إليها في تلك الأحوال لوقايتها لهم من أهوال ذلك اليوم وداهي هذه الأحوال ، فالمتقون بما لهم من التقوى من فزع النشر والمعاد آمنون ، وإلى زادهم حين أخذ ما أعطى مطمئنّون ، وبصرف ما أسدى إليهم من الأموال في مصارفه وما أسداه من الأعضاء في مواقعها من مناقشة السؤال سالمون كما قال عزّ من قائل * ( « فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » ) * وقال * ( « وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَه ُ مَخْرَجاً » ) * * ( « وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَه ُ مِنْ أَمْرِه ِ يُسْراً » ) * * ( « وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْه ُ سَيِّئاتِه ِ وَيُعْظِمْ لَه ُ أَجْراً » ) * . وأما غير المتّقين فعند نشرهم يمسّهم العذاب بما كانوا يفسقون ، وحين اخذ ما اعطى فإنهم إذا لخاسرون ، وإذا سئل عما أسدى فيخاطبون بخطاب قفوهم انهم مسؤولون ، فاليوم نختم على أفواههم وتكلَّم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون . ثمّ تعجب من قلَّة الآخذين بالتقوى مع كونها محتاجا فقال : ( فما أقلّ من قبلها وحملها حقّ حملها ) أي شرايطها ووظايفها المقرّرة الموظفة ( أولئك الأقلَّون وهم أهل صفة اللَّه سبحانه ) أي القابلون الحاملون لها الَّذين وصفهم اللَّه تعالى في كتابه ( إذ يقول ) في حقّهم ( وقليل من عبادي الشكور ) ربما فسّر الشكور