حبيب الله الهاشمي الخوئي
246
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقيل : مأخوذ من عفت الريح إذا درسته ومحته . وقوله ( وعدل في كلّ ما قضى ) يعني أنّ جميع مقتضياته ومقدّراته على حدّ الاعتدال ووجه الكمال مصون من التفريط والافراط ، لجريانها جميعا على مقتضى الحكمة والنظام الأصلح ، ويحتمل أن يكون المراد بما قضاه ما حكم به ، فالمعنى أنه سبحانه عادل في تكاليفه وأحكامه الشرعيّة وما يترتّب عليها من المثوبات والعقوبات ، لأنّ الظلم قبيح محال في حقه سبحانه وما ربّك بظلَّام للعبيد . ( وعلم ما يمضى وما مضى ) لا يخفى ما في هذه القرينة من حسن الاشتقاق وتقديم يمضي على مضى لاقتضاء السجع والقافية مضافا إلى ما فيه من نكتة لطيفة ، وهو الإشارة إلى أنّ علمه بالمستقبل كعلمه بالماضي . وبعبارة أخرى علمه بالمستقبل والماضي واحد بخلاف غيره فانّ علمهم بالماضي أسبق وأكمل من علمهم بالمضارع ، فإذا أريد وصف غيره بالعلم يقال : فلان علم ما كان وما يكون أو يقال : علم ما مضى وما يأتي ، فقدّم في وصفه سبحانه ما يأتي على ما سبق تنبيها على أنّ علمه ليس كعلم المخلوقين ، والمقصود به الإشارة إلى إحاطته سبحانه بجميع الأمور مستقبلها وماضيها كلَّيها وجزئيها ، وقد مضى تحقيق ذلك في شرح الفصل السابع من المختار الأوّل وغيره أيضا فليتذكر . ( مبتدع الخلايق بعلمه ) أي مبدعهم ومخترعهم بإرادته التي هي العلم بالأصلح والنظام الخير فيكون علمه سببا وعلة لما ابتدع من مخلوقاته مقدّما عليه ، وعلى هذا فالباء في بعلمه سببيّة . والمستفاد من الشارح المعتزلي أنها باء المصاحبة حيث قال : قوله : مبتدع الخلايق بعلمه ، ليس يريد أنّ العلم علَّة في الابداع كما يقال : هوى الحجر بثقله ، بل المراد أبدع الخلق وهو عالم كما تقول خرج زيد بسلاحه أي خرج متسلَّحا . والظَّاهر أنّه وافق في ذلك المتكلمين حيث قالوا : إنّ العلم تابع للمعلوم والتابع يمتنع أن يكون سببا ، فالباء على رأيهم أيضا للاستصحاب ، والحقّ ما ذكرناه لما مرّ من أمير المؤمنين عليه السّلام في المختار الأوّل من قوله : عالما بها قبل ابتدائها ، فإنه