حبيب الله الهاشمي الخوئي
233
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وإن كان المراد من النفس الناطقة فهم كتابي الشفاء والإشارات ونحوهما ، فانّ بعد كثير من النّاس عن هذا أبعد من الثرى إلى الثريّا . قال وإلى هذا ذهب الشيخ شهاب الدّين ، وقد صرّح ابن سينا في جواب أسئلة بهمنيار إنّ الفرق بين الانسان والحيوانات في هذا الحكم مشكل . وقال القيصري في شرح فصوص الحكم ما قاله المتأخرّون من أنّ المراد بالنطق إدراك الكليات لا التكلَّم مع كونه مخالفا بوضع اللغة لا يفيدهم لأنه موقوف على أنّ النفس الناطقة المجرّدة خاصّة بالانسان ، ولا دليل لهم على ذلك ولا شعور لهم بأنّ الحيوانات ليس لها إدراك الكليّات ، والجهل بالشيء لا ينافي وجوده وإمعان النّظر فيما يصدر عنها من العجايب يوجب أن يكون لها إدراك الكليّات انتهى . وقال المحقق الدواني في شرح هياكل النور : اعتقادنا أنّ جميع الحيوانات لها نفوس مجرّدة كما في الانسان ، وبعض القدماء على ذلك بل صرّح بعضهم بأنّ النبات لها نفوس ناطقة أيضا . إذا عرفت ذلك فلنذكر ما ذكره الفخر الرازي في هذا المقام . قال في تفسير قوله تعالى * ( تُسَبِّحُ لَه ُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) * : اعلم أنّ الحىّ المكلف يسبّح للَّه بوجهين : الأوّل بالقول كقوله باللسان سبحان اللَّه ، والثاني بدلالة أحواله على توحيد اللَّه وتقديسه وعزّته ، فأمّا الَّذى لا يكون مكلَّفا مثل البهايم ومن لا يكون حيّا كالجمادات فهي إنّما تسبّح اللَّه بالطريق الثاني ، لأنّ التسبيح لا يحصل إلَّا مع الفهم والعلم والادراك والنطق وكلّ ذلك في الجماد محال فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلَّا بالطريق الثاني . وأنت بعد الخبرة بما ذكرنا تعرف فساد ما ادّعاه بما لا مزيد عليه ، والعجب أنّه عمّم دعواه للبهائم والجماد وخصّ دليله بالجماد فقط ، فإن كان مقصوده أنّ البهايم مثل الجماد في عدم العلم والادراك وكان اكتفاؤه بالجماد من باب الاختصار فهو ممنوع لما ذكرناه من الآيات الصّريحة في أنّ لها إدراكا وفهما وشعورا ، وإلَّا فدليله أخصّ من مدّعاه وستعرف بطلان دليله في الجماد أيضا