حبيب الله الهاشمي الخوئي

209

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

يسهرون لياليهم ويقومون من مضاجعهم ويتركون لذّة الرّقاد اشتغالا بمناجاة ربّ العباد ، فيجعلون ليلهم بمنزلة النهار في ترك النوم والقرار : ويقومون بين يدي الرّب المتعال بالخضوع والخشوع والتضرّع والابتهال ، ويواظبون على الدّعاء والصلاة والاستغفار إلى أن يذهب اللَّيل ويؤب الفجر والنهار . وقد مدحهم في كتابه العزيز بقوله * ( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ ) * وقال * ( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ) * وقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : إذا قام العبد من لذيذ مضجعه والنعاس في عينيه ليرضى ربّه عزّ وجلّ لصلاة ليله باهي اللَّه به ملائكته فقال : أما ترون عبدي هذا قد قام من لذيذ مضجعه إلى صلاة لم أفرضها عليه ، اشهدوا أنّى غفرت له . وقد مضى أخبار كثيرة في فضل صلاة اللَّيل وقيامه في شرح الفصل السادس من الخطبة الثانية والثّمانين وفي شرح الخطبة المأة والثانية والثمانين . وأقول هنا مضافا إلى ما مرّ : يكفى في فضل قيامه أمر اللَّه سبحانه رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله به في قوله * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَه ُ أَوِ انْقُصْ مِنْه ُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْه ِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا . إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا ) * . قال أمين الاسلام الطبرسي : المعنى يا أيّها المتزمّل بثيابه المتلفّف بها ، قم اللَّيل للصلاة إلَّا قليلا من اللَّيل نصفه ، بدل من الليل أي قم نصف الليل أو انقص من النصف أو زد على النصف ، وقال المفسرون : أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين . وقوله : ورتّل القرآن ترتيلا - روى في الصافي من الكافي عن الصادق عليه السّلام أنه سئل عن هذه الآية فقال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : بيّنه بيانا ولا تهذّه هذّ الشعر ولا تنثره نثر الرّمل ، ولكن افرغوا قلوبكم القاسية ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة إنّا سنلقى عليك قولا ثقيلا - قيل أي القرآن ، لأنّه لما فيه من التكاليف ثقيل على المكلَّفين ، قال عليّ بن إبراهيم القميّ : قولا ثقيلا قال عليه السّلام قيام الليل وهو