حبيب الله الهاشمي الخوئي
206
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( وسيق الذين اتّقوا ربهم إلى الجنّة زمرا ) اقتباس من الآية الشريفة في سورة الزمر وآخرها * ( حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) * أي يساقون المتّقون إسراعا بهم إلى دار الكرامة مكرمين زمرة بعد زمرة أي أفواجا متفرّقة بعضها في أثر بعض على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلوّ الدّرجة ويساقون راكبين كما عرفت في شرح الفصل التاسع من المختار الأول حتّى إذا جاؤها وقد فتحت أبواب الجنّة لهم قبل مجيئهم انتظارا بهم ، وقال لهم خزنتها عند استقبالهم : سلام عليكم أي سلامة من اللَّه عليكم يحيّونهم بالسلامة ليزدادوا بذلك سرورا ، طبتم أي طبتم بالعمل الصّالح في الدّنيا وطابت أعمالكم الصّالحة أو طاب مواليدكم لا يدخل الجنّة إلَّا طيب المولد ، فأدخلوا الجنّة خالدين مخلَّدين وقد مضى فصل واف في وصف الجنّة وأوصاف أهلها في شرح الفصل التّاسع من المختار الأوّل وشرح الفصل الثالث من المختار المأة والثمانية . وقوله ( قد أمن العذاب وانقطع العتاب وزحزحوا عن النار واطمأنّت بهم الدّار ورضوا المثوى والقرار ) أراد أنهم يساقون إلى الجنّة حالكونهم مأمونين من العقاب والعذاب ، منقطعا عنهم خطاب العتاب ، مبعدين عن النّار ، مطمئنين بالدّار راضين بالمثوى والقرار ، أي بالمقام والمقرّ . ونسبة مطمئنة إلى الدار من المجاز العقلي والاسناد إلى المكان أو من الكلام من باب الاستعارة بالكناية فانّ الدّار لما كانت مخلوقه لأجلهم معدّة لهم كما قال عزّ من قائل * ( « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ » ) * شبّهها بالمنتظر لقدوم محبوبة ، حتّى إذا قدم إليه ارتفع عنه الانتظار وحصل له الاطمينان ، فتكون الدّار استعارة بالكناية وذكر الاطمينان تخييلا للاستعارة . وأما كونهم راضين بالمثوى والقرار فلأجل ما اعدّ لهم فيها من جميع ما تشتهيه أنفسهم وتلذّ أعينهم مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . قال سبحانه * ( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه ُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) * وقال * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي ) *