حبيب الله الهاشمي الخوئي

201

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كثيرة متعدّدة ، هذا . ولما ذكر أنّ الغاية القيامة ونبّه على قربها وحذّر بأهوالها وبأهوال البرزخ الَّذى قبلها أردف ذلك بالتنبيه على زوال الدّنيا وفنائها وسرعة انقضائها فقال ( وانصرفت الدّنيا بأهلها ) أي ولَّت وأدبرت ظاهر مساق الكلام يعطى كون هذه الجملة معطوفة على جملة أشرفت وأناخت ، لكنّه يأبي عنه أنّ الجملتين السابقتين خبران لقوله كأنها وهذه الجملة لا يصحّ جعلها خبرا ، لأنّ الضمير في كأنّها راجع إلى الساعة فلا يكون ارتباط بين اسم كأنّ وخبرها إلَّا أن يجعل الضمير فيها ضمير القصّة ولكنه يبعّده أنّ كأنّها هذه عطف على قوله وكأنّها قد جاءت ، والضمير في المعطوف عليها راجع إلى الساعة قطعا فليكن في المعطوفة كذلك . وبعد هذا كلَّه فلا مناص إلَّا أن يجعل الجملة مستأنفه غير مرتبطة على سابقتها ولا بأس بذلك ، لأنّ الجملات السابقة في بيان أهوال الساعة ، وهذه الجملة وما يتلوها في بيان أحوال الدّنيا . وممّا حقّقنا ظهر فساد ما قاله الشارح البحراني حيث قال : لما كانت الأفعال من قوله : وأناخت إلى قوله : وصار سمينها غثا ، معطوفا بعضها على بعض دخلت في حكم الشبه أي وكان الدّنيا قد انصرفت بأهلها وكأنّكم قد أخرجتم من حضنها إلى آخر الأفعال ، والمشبّه الأوّل هو الدّنيا باعتبار حالها الحاضرة ، والمشبّه به هو انصرافها بأهلها وزوالهم ، ووجه الشبه سرعة المضىّ أي كأنّها من سرعة أحوالها الحاضرة كالتي وقع انصرافها ، وكذلك الوجه في باقي التشبيهات انتهى . وملخّص وجه الفساد إنّ القواعد الأدبيّة آبية من عطف الجملات بعضها على بعض . وقوله ( وأخرجتهم من حضنها ) استعارة بالكناية شبّهها بالأمّ المربّية لولدها في حضنها ثمّ أعرضت عنه وأخرجته من حضن تربيته وأسلمته إلى نفسه ( فكانت ) نسبتها إلى أهلها في قصر الزّمان وقلَّة المدّة ( كيوم مضى أو شهر انقضى ) . وأشار إلى تغيّر ما فيها وفساده بقوله : ( وصار جديد هارثا ) أي خلقا باليا ( وسمينها