حبيب الله الهاشمي الخوئي
178
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وثانيهما أنّه عليه السّلام أكمل وأتمّ علما بها ، وذلك لأنه مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم والأئمة من ذريتهما قد كانوا أنوارا مخلوقه قبل خلقة آدم وعالم بألفي عام أو أربعة عشر ألف عام أو خمسة عشر ألف عام أو أربعين ألف عام أو أربعمائة ألف سنة وأربعة وعشرين ألف سنة أو ألف ألف دهر على اختلاف الروايات الواردة في خلقتهم ( 1 ) . وقد كان منزلهم ومأويهم في تلك المدّة المتطاولة في سرادقات العزّة وحجابات العظمة وظلّ العرش والسماوات العاليات ، ثمّ اهبطوا باقتضاء مصالح التكليف وإرشاد العباد إلى عالم الشهادة واكتسوا جلباب البشريّة ولبثوا في الأرض مدّة قليلة ثمّ رجعوا إلى أوطانهم الأصلية ومساكنهم النورانيّة ، وقد دلَّت على ذلك كلَّه الأخبار الصحيحة . فبطول مدّة الإقامة والمكث فيها وتمادى توطنهم وبقائهم في الملاء الأعلى يكون علمهم بعالم الملكوت البتّة أكمل وأتمّ من علمهم بعالم الناسوت كما لا يخفى . وبقى الكلام بعد ذلك كلَّه في جهة ارتباط العلَّة بالمعلول أعنى ارتباط قوله : فلأنا بطرق السّماء أعلم ، بقوله : سلوني قبل أن تفقدوني قبل أن تشغر فتنة اه . وجهة الارتباط أنه لما أرشدهم إلى السؤال عن الفتن والملاحم المستقبلة علَّله بذلك ، لأنّ الفتن الحادثة مثل ساير الأمورات المقدورة مكتوبة في الألواح السّماوية قبل حدوثها وظهورها ، وينزل علمها إلى الامام في ليلة القدر وغيرها كما قال عزّ من قائل * ( « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ » ) * أي ما يحدث من مصيبة وقضيّة في الأرض
--> ( 1 ) قال العلَّامة المجلسي ره والاختلاف الوارد في أزمنة سبق الأنوار يمكن حملها على اختلاف معاني الخلق ومراتب ظهوراتهم في العوالم المختلفة فانّ الخلق يكون بمعنى التقدير وقد ينسب إلى الأرواح والى الأجساد المثالية والى الطينات ولكل منها مراتب شتى مع أنه قد يطلق العدد ويراد به الكثرة لا خصوص العدد وقد يراعى في ذلك مراتب اختلاف عقولات المخاطبين وافهامهم وقد يكون بعضها لعدم ضبط الرواة ، منه ره .