حبيب الله الهاشمي الخوئي
154
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في أوراد الإبل أن تشرب يوما وتدعه يوما . وإلى هذا المعني يلمح قوله عليه السّلام في الدّيوان المنسوب إليه : جنبي تجافي عن الوساد خوفا من الموت والمعاد من جاف عن بكرة المنايا لم يدر ما لذّة الرقاد قد بلغ الزرع منتهاء لا بدّ للزرع من حصاد ثمّ استفهم عن غفلتهم على سبيل التوبيخ والتقريع ، وقال : ( وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم وطمعكم فيمن ليس يمهلكم ) يعنى انكم إن غفلتم عنه بانسكم بالدّنيا وفرط محبّتكم لها وطمعكم في بقائها ، فهو ليس غافلا عنكم ولا تاركا ممهلا لكم البّتة ، قال في الدّيوان المنسوب إليه عليه السّلام يا مؤثر الدّنيا على دينه والتّائه الحيران عن قصده أصبحت ترجو الخلد فيها وقد أبرز ناب الموت عن حدّه هيهات إنّ الموت ذو أسهم من يرمه يوما بها يرده ويحتمل أن يكون المراد بقوله : عما ليس يغفلكم ، هو الموت وبقوله : فيمن ليس يمهلكم ، هو ملك الموت ، أي كيف غفلتكم عن الموت الَّذى لا يترككم غافلا عنكم ، وطمعكم في ملك الموت الَّذى لا يمهلكم ، لكونه مأمورا بعدم الانظار والامهال . ولأجل شدّة الاعتبار والاتّعاظ اتبعه بقوله ( فكفى واعظا بموتا عاينتموهم ) كيف انتقلوا من ذروة القصور إلى خطَّة القبور ، ومن العزّ والمنعة إلى الذّل والمحنة ( حملوا إلى قبورهم غير راكبين وانزلوا فيها غير نازلين ) . لما كان المتعارف في الركوب والنزول ما كان عن قصد واختيار وشعور ، وإرادة وعلى مثل الخيل والبغال ، وكان حمل الموتى على الأسرة والجنائز وأعواد المنايا وانزالهم منها لا عن شعور وإدراك ، لا جرم نفي عنهم وصفي الرّكوب والنزول . وبعبارة أخرى الركوب والنّزول من الأفعال الاختياريّة للانسان فبعد الموت وانقطاع الحسّ والحياة وارتفاع الادراك والاختيار يكون مثل جماد محمول ، فكمالا