حبيب الله الهاشمي الخوئي

131

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بما هو غير ذاته فهو كذلك ، لأنه تعالى تامّ في فاعليّته كما هو تامّ في ذاته ، لكن لا يلزم من ذلك نفي الغاية والداعي عن فعله مطلقا حتّى يلزم العبث والجزاف ، تعالى عما يظنّه الجاهلون ، بل علمه بنظام الخير الَّذى هو نفس ذاته علَّة غائية وغرض بالذات لفعله ووجوده ، وهذا مما ساق اليه الفحص والبرهان وشهدت به عقول الفحول وأذهان الأعيان . وقال في شرح الحديث الأوّل من الباب الرابع عشر وهو باب الإرادة من كتاب التوحيد : التحقيق أنّ الإرادة تطلق بالاشتراك الصناعي على معنيين : أحدهما ما يفهمه الجمهور وهو الَّذي ضدّه الكراهة وهي التي قد تحصل فينا عقيب تصوّر الشيء الملايم وعقيب التردّد حتّى يترجّح عندنا الأمر الدّاعي إلى الفعل أو الترك فيصدر أحدهما منا وهذا المعنى فينا من الصفات النفسانية وهي والكراهة فينا كالشهوة والغضب فينا وفي الحيوان ، ولا يجوز على اللَّه بل إرادته نفس صدور الأفعال الحسنة منه من جهة علمه بوجه الحسن وكراهته عدم صدور الفعل القبيح عنه لعلمه بقبحه . وثانيهما كون ذاته بحيث يصدر عنه الأشياء لأجل علمه بنظام الخير فيها التابع لعلمه بذاته ، لا كاتباع الضوء للمضيء والسخونة للمسخّن ولا كفعل الطبايع لا عن علم وشعور ولا كفعل المجبورين والمسخّرين ولا كفعل المختارين بقصد زايد وإرادة زايدة ظنّية يحتمل الطرف المقابل . فإذا هو سبحانه فاعل للأشياء كلَّها بإرادة ترجع إلى علمه بذاته المستتبع لعلمه بغيره المقتضي لوجود غيره في الخارج لا لغرض زايد وجلب منفعة أو طلب محمدة أو ثناء أو التخلَّص من مذّمة ، بل غاية فعله محبّة ذاته . فهذه الأشياء الصادرة عنه كلَّها مرادة لأجل ذاته لأنها من توابع ذاته وعلمه بذاته ، فلو كنت تعشق شيئا لكان جميع ما يصدر عنه معشوقا لك لأجل ذلك الشيء ، وإليه الإشارة بما ورد في الحديث الإلهي عن نفسه تعالى : كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن اعرف فخلقت