حبيب الله الهاشمي الخوئي

13

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

حافظ للأشياء مقوم لوجودها ولا يؤده حفظهما وأنّه القائم على كلّ نفس بما كسبت فاختلف المعنى واتّحد الاسم . وقد يطلق القائم في كلام الناس بمعنى الباقي وهو أيضا معناه مختلف فمعنى الباقي في الخلق ما يوجد في زمان بعد زمان حدوثه ، وأما في حقّه تعالى فليس بهذا المعنى لارتفاعه عن مطابقة الزمان ، بل بقاؤه عبارة عن وجوب وجوده وامتناع العدم عليه بالذات وبقاؤه نفس ذاته . والقائم قد يجيء بما يخبر عن الكفاية كما يقال : قم بأمر بني فلان أي اكفه ولا شكّ أنّ هذا المعنى فيه تعالى على وجه أعلى وأشرف ، بل لا نسبة بين كفايته للخلق كافّة لا بالة وقوّة وتعمل وتكلَّف ، وبين كفاية الخلق بعضهم لبعض بتعب ومشقة فقد اتّفق الاسم واختلف المعنى . ( تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة ) أي لا من طريق المشاعر والحواس ، والمراد بتلقّى الأذهان له تقبّلها ، أي إدراكها لما يمكن لها إدراكه من صفاته السّلبيّة والإضافية لا تلقّى ذاته ، لما عرفت مرارا من عجز العقول والأوهام والأذهان والأفهام عن تعقّل ذاته . ( وتشهد له المرائي لا بمحاضرة ) يعني تشهد له المرئيات والمبصرات وتدلّ على وجوده وصفات كماله حسبما عرفته في شرح المختار التاسع والأربعين . ولما كان بناء الشهادة غالبا على حضور الشاهد عند المشهود به كما يشعر به تصاريف تلك المادّة مثل قوله سبحانه * ( « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ » ) * الآية أي من كان حاضرا غير مسافر فليصمه ، وقولهم : الشاهد يرى ما لا يراه الغايب ، وشهدت مجلس فلان أي حضرته ، وسمّى الشهيد شهيدا لحضور ملائكة الرّحمة عنده فعيل بمعنى المفعول إلى غير ذلك من تصاريفها ، وكان قوله تشهد له المرائي موهما لكون شهادتها بعنوان الحضور . استدرك بقوله : لا بمحاضرة ، من باب الاحتراس دفعا للتوهّم المذكور ، يعني أنّ شهادتها ليست بعنوان الحضور كما في ساير الشهود ، بل المراد من شهادتها