حبيب الله الهاشمي الخوئي
110
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( وضرب أسدادها ) أي نصب بين بقاعها وبلادها على اقتضاء الحكمة والمصلحة أسدادا حاجزة وحدودا مايزة من الجبال الراسية والأنهار الجارية ونحوها قال تعالى * ( » فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا « ) * . ( واستفاض عيونها ) أي أفاض العيون وأجرى منها الماء الذي هو مادّة حياة الأحياء ( وخدّأ أوديتها ) أي شقّها وجعلها مراتع للبهائم ومزارع للناس لعلَّهم يعقلون ولما عدّ عليه السّلام عددا من بدايع الصّنع وآثار العظمة فرّع عليه قوله : ( فلم يهن ما بناه ولا ضعف ما قواه ) تنبيها على عظمة صانعها ومبدعها ، لأنّ عدم تطرّق الوهن والضعف على تلك الآثار مع طول الزمان ومرور الدهور كاشف عن كمال قدرة المؤثّر وقوّته وعظمته . والسابع والخمسون ما أشار إليه بقوله ( هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ) أي الغالب القاهر على الأرض وما فيها باستيلاء قدرته وقوّته وسلطنته القاهرة وعظمته الباهرة . والثامن والخمسون ما أشار إليه بقوله ( وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ) أي الخبير عليها وعلى ما فيها بعلمه الذي لا يعزب عنه شيء ولما كان المتبادر من الظهور والبطون الظهور والبطون الحسّيّين قيّد الأوّل بالسلطان والعظمة والثّاني بالعلم والمعرفة تنبيها على أنّ المراد بهما إذا نسبتا إلى اللَّه سبحانه ليس معناهما المتعارف لاستحالته في حقّه تعالى واختصاصه بالأجسام والجسمانيّات بل معنى آخر يليق بذاته ولا ينافي قدسه . ( و ) التاسع والخمسون أنّه ( العالي على كلّ شيء منها ) لا بالعلوّ الحسّي المتصوّر في الأجسام كما يزعمه المجسّمة القائلون بأنه على العرش متشبّثين بقوله : الرّحمن على العرش استوى ، لما عرفت مرارا فساد هذا الزعم كما عرفت تأويل الآية الشريفة بل بالعلوّ المعنوىّ وهو العلوّ ( بجلاله وعزّته ) والمراد بجلاله تنزّهه عن صفات النقصان وتقدّسه عن عوارض الامكان ، فهو باعتبار تنزّهه عنها في أوج الكمال الأعلى ، والمراد بعزّته قهره وغلبته وسلطانه .