حبيب الله الهاشمي الخوئي
52
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
كلّ شيء من خلقه شاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه . ثمّ صار الطائر السابح في هذا الجوّ يقعد على بيضه فيخرّ له أسبوعا وبعضها أسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ، ثمّ يقبل عليه فيزقّه لتتّسع حوصلته للغذاء ، ثمّ يربّيه ويغذيه بما يعيش به ، فمن كلَّفه أن يلفظ الطعم ويستخرجه بعد أن يستقرّ في حوصلته ويغذو به فراخه ولأىّ معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذى رويّة ولا تفكَّر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العزّ والرّفد وبقاء الذكر وهذا من فعل هو يشهد بأنه معطوف على فراخه لعلَّة لا يعرفها ولا يفكَّر فيها وهى دوام النسل وبقاؤه لطفا من اللَّه تعالى ذكره . انظر إلى الدّجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطىء بل تنبعث وتنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتّى يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ ، فلم كان ذلك منها إلَّا لإقامة النّسل ، ومن أخذها بإقامة النسل ولا رويّة ولا فكر لولا أنها مجبولة على ذلك . واعتبر بخلق البيضة وما فيها من المخّ الأصفر الخاثر ، والماء الأبيض الرّقيق فبعضه لينتشر منه الفرخ ، وبعضه ليغذي به إلى أن تنقاب عنه البيضة ، وما في ذلك من التدبير ، فإنه لو كان نشوء « نشق خ ل » الفرخ في تلك القشرة المستحضنة التي لا مساغ لشيء إليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفى إلى وقت خروجه منها كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل النفقة إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفى به إلى وقت خروجه منه . فكَّر في حوصلة الطائر وما قدّر له ، فانّ مسلك الطعم إلى القانصة ضيّق لا ينفذ فيه الطعام إلَّا قليلا قليلا ، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الأولى القانصة لطال عليه ومتى كان يستوفي طعمه ، فإنما يختلسه اختلاسا لشدّة الحذر ، فجعلت الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعى فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ثمّ تنفذه إلى القانصة على مهل ، وفي الحوصلة أيضا خلَّة أخرى فانّ من الطائر ما يحتاج إلى أن يزقّ فراخه فيكون ردّه للطعم من قرب أسهل عليه .