حبيب الله الهاشمي الخوئي
282
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
به في الغالب ، والحكم الغالب الوقوع موردا لاذا وغلب لفظ الماضي معها لدلالته على الوقوع قطعا نظرا إلى نفس اللفظ وإن نقل ههنا إلى معني الاستقبال قال سبحانه مبيّنا لحال قوم موسى عليه السّلام : * ( « فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِه ِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَه ُ » ) * جيء في جانب الحسنة بلفظ الماضي مع إذا لأنّ المراد الحسنة المطلقة التي وقوعها مقطوع به ولذلك عرفت بلام الجنس لأنّ وقوع الجنس والماهية كالواجب لكثرته ووسعته ، وفي جانب السيئة بلفظ المضارع مع إن لندرتها وقلَّتها ولذلك نكرت لدلالة التنكير على التقليل . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ موته عليه السّلام لما كان أمرا محقّقا معلوم الوقوع كان المقام مقتضيا للاتيان باذا ، لكنه أتى بان الموهمة لعدم جزمه عليه السّلام به . فاستدرك ذلك أوّلا بالعدول في الشرط عن الاستقبال إلى الماضي حيث قال : جاء يومي ولم يقل يجيء إبرازا لغير الحاصل في معرض الحاصل وكون ما هو للوقوع كالواقع بقوّة أسبابه المعدّة له مع ما فيه من إظهار الرغبة والاشتياق إلى حصول الشرط ، فانّ الطالب إذا عظمت رغبته في حصول أمر يكثر تصوّره إياه فربما يخيل ذلك الأمر إليه حاصلا فيعتبر عنه بلفظ الماضي . واستدركه ثانيا بقوله : وليأتينّي ، فنبّه عليه السّلام بهذين الاستدراكين على أنّه جازم بمجيء يومه الموعود قاطع به وأنّ مجيئه قريب الوقوع وهو مشتاق اليه وأشدّ حبّا له من الطفل بثدى امّه كما صرّح به في غير واحدة من كلماته ، وهذا من لطايف البلاغة ومحسّناتها البديعة الَّتي لا يلتفت إليها إلَّا مثله عليه السّلام هذا . وقوله ( ليفرقنّ بيني وبينكم وأنا بصحبتكم قال ) يعني إذا جاء مماتي يكون فارقا بيننا والحال أنى مبغض لكم مستنكف عن مصاحبتكم ( وبكم غير كثير ) أي غير كثير بسببكم قوّة وعدة لأنّ نسبتكم إلىّ كالحجر في جنب الانسان لا أعوان صدق عند مبارزة الشجعان ، ولا إخوان ثقة يوم الكريهة ومناضلة الأقران ( للَّه أنتم ) أي للَّه درّكم وهو دار وفي مقام التعجّب والمدح تلطفا قال العلَّامة المجلسي ره : ولعلَّه للتعجّب على سبيل الذمّ .