حبيب الله الهاشمي الخوئي
259
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الثّانية والتسعين أنّه ملتقط من كلام طويل له عليه السّلام قدّمنا روايته هناك من توحيد الصّدوق كما ظهر أنّه عليه السّلام كلَّم به مع ذعلب ، فإنه لما قال على المنبر غير مرّة : سلوني قبل أن تفقدوني ، قام إليه ذعلب وكان رجلا ذرب اللَّسان بليغا في الخطب شجاع القلب فقال : لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه فقال له ( هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ) وكان هذا السؤال منه من باب التعنّت والتقرير بقصد التعجيز عن الجواب لا الاستفهام الحقيقي كما يدلّ عليه أوّل كلامه الَّذى حكيناه . ( فقال عليه السّلام أفأعبد ما لا أرى ) إنكار لعبادة ما لا يدرك ، لأنّ العبادة متضمّنة للسؤال والمخاطبة والمكالمة وطلب الرحمة والمغفرة وغير ذلك من الخضوع والخشوع والتضرّع والتملَّق والاستكانة وهذه كلَّها تستدعى حضور المعبود وإدراكه ورؤيته . ولما توهّم السائل من كلامه عليه السّلام أنّ مراده به رؤية البصر أعاد السؤال و ( قال وكيف تراه ) على سبيل الاستفهام التوبيخي يعني أنّ رؤيته غير ممكنة فكيف ادّعيتها . فأجابه و ( قال عليه السّلام لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ) يعنى أنّ رؤيته ليست بالعين وبمشاهدة القوّة البصرية الجسمانية ، فانّ هذه غير جايزة كما عرفت تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة والأربعين ، وهو صريح في بطلان مذهب الأشاعرة والمشبهة والكراميّة المجوّزين للرؤية ( ولكن تدركه القلوب بحقايق الايمان ) أي تدركه العقول الصافية عن ملابسة الأبدان وغواشي الطبايع والأجرام بحقايق الايمان أي بأنوار العقليّة الناشئة من الايمان والاذعان الخالص كما مرّ تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة والأربعين أيضا . وقال الشارح البحراني : أراد بحقايق الايمان أركانه وهى التصديق بوجود اللَّه ووحدانيّته وساير صفاته واعتبارات أسمائه الحسنى . وقال العلامة المجلسي ره في مرآة العقول : حقايق الايمان العقائد الَّتى هي حقايق أي عقايد عقلية ثابتة يقينيّة لا يتطرّق إليها الزوال والتغير أي أركان