حبيب الله الهاشمي الخوئي
248
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
عن مقدور ولا معلوم عن معلوم ( ولا يغيّره زمان ) لأنّه تعالى واجب الوجود والمتغيّر في ذاته أو صفاته لا يكون واجبا فلا يلحقه التغيّر ولأنه خالق الزّمان ولا زمان يلحقه فلا تغيّر يلحقه بتغيّره ( ولا يحويه مكان ) إذ لو كان محويا يلزم أن يكون محدودا وكلّ محدود جسم ، وقد عرفت في شرح الفصل الخامس من الخطبة الأولى وفي شرح الخطبة المأة والثانية والخمسين تحقيق الكلام في تنزّهه عن المكان وعن الحدود بما لا مزيد عليه فليراجع المقامين . وأقول هنا مضافا إلى ما سبق : إنّ المشبّهة قد تعلَّقت بقوله سبحانه : * ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) * ، في أنّ معبودهم جالس على العرش وقد تقدّم في شرح الفصل الخامس من الخطبة الأولى تأويل هذه الآية وظهر لك فساد قولهم وبطلان تمسّكهم بها ، وقد أقام المتكلَّمون المتألهون أدلَّة عقليّة ونقليّة على فساد مذهبهم وعلى استغنائه تعالى عن المكان لا بأس بالإشارة إلى جملة منها . أحدها أنّه تعالى كان ولا عرش ولا مكان ، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان غنيّا عنه فهو بالصّفة التي كان لم يزل عليها إلَّا أن يقال لم يزل مع اللَّه شيء كالعرش وهو أيضا باطل لأنه يلزم أن يخلو عن المكان عند ارتحاله عن بعضها إلى بعض فيختلف نحو وجوده بالحاجة إلى المكان والاستغناء عنه وهو محال . ثانيها أنّ الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الانتقال والحركة عنه أم لا ، فعلى الأوّل يلزم ما ذكرنا من الاستغناء والاختلاف في نحو الوجود أعنى التجرّد والتجسّم . لا يقال : هذا منقوض بانتقال الانسان مثلا من مكان إلى مكان . قلنا إنّه ينتقل على الاتّصال من مكان إلى مكان وهو فيما بينهما لم ينفكّ عن المكان وأمّا الباري جلّ ذكره فالمكان الَّذي ينتقل إليه مخلوق له فلا بدّ أن يخلقه أوّلا حتى يمكن انتقاله إليه فهو فيما بين مجرّد عن المكان وعلى الثاني يكون كالزّمن بل أسوء حالا منه ، فان الزّمن يتمكَّن من الحركة على رأسه ومعبودهم غير متمكَّن وثالثها أنّ الجالس على العرش لابدّ وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين