حبيب الله الهاشمي الخوئي
217
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الدّنيا ونكال الآخرة في الامساك عن فضول الكلام ، وإليه أشار بقوله ( واللَّه ما أرى عبدا يتقى تقوى تنفعه حتّى يختزن لسانه ) فانّ التقوى النافع هو ما يحفظه من غضب الجبّار وينجيه من عذاب النّار ، ولا يحصّل ذلك إلَّا بالاتّقاء من جميع المحرّمات والموبقات الموقعة في الجحيم والسخط العظيم ، والكذب والغيبة والهجاء والسّعاية والنّميمة والقذف والسّب ونحوها من حصائد الألسنة من أعظم تلك الموبقات ، فلا بدّ من الاتّقاء منها واختزان اللَّسان عنها . ولما أمر باختزان اللسان ونبّه على توقّف التقوى النّافع عليه أردفه بالتنبيه على أنّ اختزانه من فضول الكلام وسقطات الألفاظ من خواصّ المؤمن وعدم اختزانه من أوصاف المنافق وذلك قوله : ( وانّ لسان المؤمن من وراء قلبه ) يعني أنّ لسانه تابع لقلبه ( وانّ قلب المنافق من وراء لسانه ) يعني قلبه تابع للسانه . بيان ذلك ما أشار بقوله ( لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلَّم بكلام تدبّره في نفسه ) وتفكَّر في عاقبته ( فإن كان خيرا ) ورشدا تكلَّم به أي أظهره و ( أبداه وان كان شرّا ) وغيّا اختزن لسانه عنه أي ( واراه ) وأخفاه فكان لسانه تابع قلبه حيث إنه نطق به بعد حكم العقل وإجازته ( وانّ المنافق ) يسبق حذفات لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره و ( يتكلَّم ) من دون فكر ورويّة ( بما أتى على لسانه لا يدرى ما ذا له وما ذا عليه ) فكان قلبه تابع لسانه لأنه بادر إلى التكلَّم من غير ملاحظة ثمّ رجع إلى قلبه فعرف أنّ ما تكلَّم به مضرّة له . ثمّ استشهد بالحديث النبوي صلَّى اللَّه عليه وآله على أنّ استقامة الايمان إنّما هو باستقامه اللسان على الحقّ وخزنه عن الباطل وهو قوله ( ولقد قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لا يستقيم ايمان عبد حتّى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه ) ظاهر هذا الحديث يفيد ترتّب استقامة الايمان على استقامة القلب وترتّب استقامة القلب على استقامة اللَّسان . أمّا ترتّب الأوّل على الثّاني فلا غبار عليه ، لأنّ الايمان حسبما عرفت في شرح الخطبة المأة والتاسعة عبارة عن الاعتراف باللَّسان والاذعان بالجنان فاستقامة