حبيب الله الهاشمي الخوئي
179
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بالغفلة من المكلَّفين أي الَّذين غفلوا عمّا أريد منهم من المعارف الحقّة والتكاليف الشرعية ولم يغفل عنهم وعمّا فعلوا ، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة في اللَّوح المحفوظ وصحائف الأعمال وكلّ ما فعلوه في الزبر وكلّ صغير وكبير مستطر ( والتاركون ) لما أمروا به من الفرائض والواجبات ( المأخوذ منهم ) ما اغترّوا به من الأهل والمال والزخارف والقينات ( مالي أراكم عن اللَّه ذاهبين ) كناية عن اعراضهم عن اللَّه سبحانه والتفاتهم إلى غيره تعالى ( وإلى غيره راغبين ) إشارة إلى رغبتهم في زهرة الحياة الدّنيا وإعجابهم بها . ( كأنّكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبىّ ومشرب دوىّ ) شبّههم بأنعام ذهب بها سائم إلى مرعى ومشرب وصفهما ما ذكر والمراد بالسائم حيوان يسوم ويرعى وهو المستفاد من الشارح المعتزلي حيث قال : شبّههم بالنّعم الَّتي تتبع نعما أخرى سائمة أي راعية ، وإنما قال ذلك لأنّها إذا تبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل الَّتى يسميها راعيها ، انتهى . وفسّره الشارح البحراني بالراعي أي الَّذي يراعي النعم ويحفظها ويواظب عليها من الرعاية وهو المراعاة والملاحظة قال : شبّههم بالنّعم الَّتي أراح بها راعيها إلى مرعى كثير الوباء والدّاء ، ووجه الشبه أنهم لغفلتهم كالنّعم ونفوسهم الأمّارة القائدة لهم إلى المعاصي كالراعي القائد إلى المرعى الوبىّ ولذات الدّنيا ومشتهياتها وكون تلك اللَّذات والمشتهيات محلّ الآثام الَّتي هي مظنّة الهلاك الأخروي والداء الدّوىّ تشبه المرعى الوبيّ والمشرب الدويّ انتهى . أقول : وهذا أقرب لفظا وما قاله الشارح المعتزلي أقرب معنى ، وذلك لأنّ لفظ السائم على قول المعتزلي بمعنى الراعي من الرعى وهذا لا غبار عليه من حيث المعنى إلَّا أنه يحتاج حينئذ إلى حذف الموصوف أي حيوان سائم ونحوه وهو خلاف الأصل ، وأمّا على قول البحراني فلا حاجة إلى الحذف إلَّا أنّ كون السائم بمعنى الراعي من الرعاية مما لم يقل به أحد ، وكيف كان فالمقصود تشبيههم بأنعام اشتغلت بالماء والكلاء وغفلت عمّا في باطنهما من السمّ الناقع ودوى الدّاء .