حبيب الله الهاشمي الخوئي

168

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لأنّ النفس بالطبع تنفرّ عن العبوديّة وتشتهى الرّبوبيّة ، ولذلك قال بعض العارفين ما من نفس إلَّا وهى مضمرة ما أظهره فرعون من قوله * ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى ) * ولكن فرعون وجد له مجالا وقبولا من قومه ، فأظهره وأطاعوه وما من أحد إلَّا ويدعى ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكلّ من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من إظهاره . ثمّ نفرة النّفس عن العبادة إمّا بسبب الكسل كالصّلاة وإمّا بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما كالحجّ والجهاد والعبد محتاج إلى الصّبر في جميعها . الضرب الثاني المعاصي وتركها والكفّ عنها أصعب عن النفس لرغبتها بالطبع إليها فيحتاج إلى الصبر عنها وأشدّ أنواع الصبر عن المعاصي الصبر على المعاصي المألوفة المعتادة كحصائد الألسنة من الكذب والغيبة والبهتان ونحوها فمن لم يتمكن من الصّبر عنها فيجب عليه العزلة والانفراد لأنّ الصّبر على الانفراد أهون من الصّبر على السكوت مع المخالطة ، وتختلف شدّة الصّبر في آحاد المعاصي باختلاف دواعي المعصية قوّة وضعفا . وأما القسم الثاني وهو ما لا يرتبط باختيار العبد أصلا فكالمصائب والبلايا والآلام والأسقام من فقد الأحبّة وموت الأعزّة وذهاب المال وتبدّل الصحّة بالمرض والغنى بالفقر ، والبصر بالعمى ، وغيرها والصّبر على هذه هو الذي بشّر الموصوفون به في الآية الكريمة بقوله سبحانه : * ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّه ِ وَإِنَّا إِلَيْه ِ راجِعُونَ ) * وأوحى سبحانه إلى داود عليه السّلام يا داود : تريد وأريد وإنّما يكون ما أريد فان سلَّمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثمّ لا يكون إلَّا ما أريد . وأما القسم الثالث وهو ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه كما لو اوذى بفعل أو قول وجنى عليه في نفسه أو ماله أو نحو ذلك فالصّبر على ذلك بترك المكافاة ، والانتقام تارة يكون واجبا وتارة يكون مندوبا قال تعالى : * ( وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِه ِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) * . وعن الإنجيل قال عيسى بن مريم عليه السّلام : لقد قيل لكم من قبل إنّ السنّ