حبيب الله الهاشمي الخوئي
163
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
آلاف وكانوا اثنى عشر ألفا ولمّا أصرّ الباقون وهم أربعة آلاف على اللَّجاج ، ولم ينفعهم الاحتجاج ، قطع دابرهم بسيف يفلق الهام ، ويطيح السواعد والأقدام . تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكفّ . كأنّها لم تخلق حسب ما عرفته تفصيلا في شرح الخطبة السادسة والثلاثين وغيرها . ثمّ أخذ في التنفير عن الدّنيا والتّزهيد فيها بقوله ( ألا وإنّ هذه الدّنيا ) الاتيان باسم الإشارة للتحقير كما في قوله تعالى : * ( أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) * ، وفي الاتيان بالموصول أعني قوله : ( الَّتي أصبحتم تتمنّونها وترغبون فيها وأصبحت تغضبكم وترضيكم ) تنبيه على خطاء المخاطبين ، وتوبيخ لهم بأنّهم يرغبون في شيء يخلصون المحبّة له وهو لا يراعي حقّهم بل يغضبهم تارة ، ويرضيهم أخرى ونظير هذا الموصول المسوق للتنبيه على الخطاء ما في قوله : إنّ الَّذين ترونهم إخوانكم يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا يعني أنّ هذه الدّنيا مع تمنّيكم لها وفرط رغبتكم فيها ومع عدم إخلاصها المحبّة لكم ( ليست بداركم ) الَّتي يحقّ أن تسكنوا فيها ( ولا منزلكم الذي خلقتم له ) وللاقامة فيه ( ولا الَّذي دعيتم إليه ) وإلى التوطن فيه ( ألا وإنّها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها ) وإلى هذا ينظر قوله عليه السّلام : أرى الدّنيا ستؤذن بانطلاق مشمّرة على قدم وساق فلا الدّنيا بباقية لحيّ ولا حىّ على الدّنيا بباق يعني أنّها دار فناء لا تدوم لأحد ولا يدوم أحد فيها ( وهى وإن غرّتكم منها ) بما زينتكم من زخارفها وإغفالكم عن فنائها ( فقد حذّرتكم شرّها ) بما أرتكم من آفاتها وفنائها وما ابتليتم فيها من فراق الأحبّة والأولاد ونحوها ( فدعوا غرورها ) اليسير ( لتحذيرها ) الكثير ( وأطماعها ) الكاذب ( لتخويفها ) الصّادق . ( وسابقوا فيها ) بالخيرات والأعمال الصّالحات ( إلى الدّار الَّتي دعيتم إليها ) وهي الجنّة الَّتي عرضها الأرض والسّماوات ( وانصرفوا بقلوبكم عنها ) إلى ما لم يخطر على قلب بشر ممّا تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين وجميع الامنيّات ( ولا يحنن أحدكم حنين الأمة على ما زوي ) وصرف ( عنه منها ) وهو نهى عن الأسف على الدّنيا