حبيب الله الهاشمي الخوئي
123
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
مغيضا للَّيل والنهار ) مع المعطوفات عليه التالية له فانّ هذه كلَّها من أوصاف السّماء فلا بدّ من ارتكاب المجاز حتّى يصحّ الوصف بها إذ على إرادة الحقيقة امتنع جعلها صفاتا له واحتمال كونها صفاتا للسقف المرفوع مدفوع باستلزامه الفصل بين التابع والمتبوع بالأجنبيّ وهو خلاف القواعد الأدبيّة فافهم . وكيف كان فمعنى كونه مغيضا للَّيل والنهار أنّه محلّ لنقصان كلّ منهما مع زيادة الاخر وذلك لأنّ حصول اللَّيل إنّما هو بحركة الشّمس عن فوق الأرض إلى ما تحتها ، وحصول النّهار بحركتها عن تحتها إلى ما فوقها ، وبكيفيّة حركتها في الفلك يختلفان زيادة ونقصانا . فكلَّما قرب الشمس إلى المعدّل يطول النهار ويقصر اللَّيل وكلَّما بعدت يكون بالعكس قال سبحانه في سورة لقمان : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ) * وفي الزّمر * ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ ) * ولذلك ترى كلّ بلد يكون عرضه الشمالي أكثر يكون أيّامه الصّيفيّة أطول ولياليه الصّيفية أقصر وأيّامه ولياليه الشتوية بالضدّ من ذلك . فلما كان ظلام اللَّيل وضوء النّهار واختلافهما في الطول والقصر والزيادة والنقصان باختلاف حركة الشّمس ، وكان محلّ الحركة هو السّماء صحّ بذلك الاعتبار جعله مغيضا لهما . ويقرب ممّا ذكرته ما قاله الشارح البحراني فانّه بعد تفسيره المغيض بالمغيب قال : لأنّ الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس إلى وجه الأرض يكون سببا لغيبوبة الليل واستلزام حركته لحركتها عن وجه الأرض يكون سببا لغيبوبة النهار فكان كالمغيض لهما فاستعار له لفظ المغيض . وأمّا ما قاله الشارح المعتزلي من أنّ معناه أنّه جعله غيضة لهما وهي في الأصل الأجمة يجتمع إليها الماء وينبت فيها الشجر كأنّه جعل الفلك كالغيضة واللَّيل والنّهار كالشجر النابت فيها ، ووجه المشاركة تولَّد الشجر من الغيضة وتولَّد اللَّيل والنهار من جريان الفلك فليس بشيء كما لا يخفى هذا . وقوله : ( ومجرى للشمس والقمر ) أي محلَّا لجريانهما قد ظهر تفصيل الكلام