حبيب الله الهاشمي الخوئي

78

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فلما فرغ من الصلاة يصعد المنبر ويحوّل ردائه فيجعل الذي على يمينه على يساره والذي على يساره على يمينه تأسّيا برسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، وسئل الصّادق عليه السّلام عن تحويل النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم رداه إذ استسقى قال عليه السّلام : علامة بينه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وبين أصحابه يحول الجدب خصبا ، ويخطب بخطبتين ثمّ يستقبل القبلة فيكبّر الله مأئة تكبيرة رافعا بها صوته ، ثمّ يلتفت إلى يمينه فيسبّح الله مأئة مرّة رافعا بها صوته ، ثمّ يلتفت إلى يساره فيهلَّل الله مأئة تهليلة رافعا بها صوته ، ثمّ يستقبل الناس بوجهه فيحمد الله مأئة رافعا بها صوته والناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات ، فان سقوا ، وإلَّا عادوا ثانيا وثالثا من غير قنوط بانين على الصوم الأوّل ان لم يفطروا وإلَّا فبصوم مستأنف إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ من أفضل الخطب المأثورة في هذا المقام وأفصحها ما خطب إمام الأنام عليه السّلام وهو قوله ( اللَّهمّ قد انصاحت جبالنا ) أي تشقّقت من المحل والجدب ( واغبرت ارضنا ) أي صارت كثير الغبار بانقطاع الأمطار ( وهامت دوابنا ) أي عطشت وتحيّرت في مرابضها ومباركها من الظَّماء وفقدان النّبات والكلاء . ( وعجّت ) أي صرخت مثل ( عجيج الثكالى على أولادها ) يحتمل رجوع الضمير إلى الثكالي ورجوعه إلى الدّواب والأوّل أظهر ( وملت التردّد في مراتعها والحنين إلى مواردها ) وذلك لأنّها أكثرت من التردّد في مراتعها المعتادة فلم تجد فيها نبتا ترعاه فملت من التردّد وكذلك لم تجد ماء في الغدران والموارد المعدّة لشربها ، فحنت إليها وملت من الحنين ، ويئست من الأنين . ( أللهمّ فارحم أنين الآنّة ) من الشياة ( وحنين الحانّة ) من النّوق ( اللَّهمّ فارحم حيرتها في مذاهبها ) ومسالكها ( وأنينها في موالجها ) ومداخلها وإنما ابتدء عليه السّلام بذكر الدوّاب والأنعام لأنها أقرب إلى الرّحمة ومظنة الافضال بها على المذنبين من الامّة . ويرشد إلى ذلك ما في منتخب التوراة ، يا بن آدم كيف لا تجتنبون الحرام ، ولا اكتساب الآثام ، ولا تخافون النيران ، ولا تتّقون غضب الرّحمن ، فلو لا مشايخ ركَّع ، وأطفال رضّع ، وبهائم رتّع ، وشباب خشّع ، لجعلت السّماء فوقكم حديدا