حبيب الله الهاشمي الخوئي

43

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إلى أنها فيه للتبعيض أيضا . وقوله : واسألوه من أداء حقه ما سألكم ، اى اسألوا منه على الحذف والايصال ، وما موصولة منصوبة المحلّ مفعول اسألوه وسألكم صلتها والعايد محذوف أي الَّذي سأله منكم ، ومن أداء حقّه ، بيان لما ، كما في قولك : عندي من المال ما يكفى ، وانّما جاز تقديم من المبينة على المبهم في هذا وأمثاله ، لأنّ المبهم الذي فسّر بمن مقدّم تقديرا كأنّك قلت عندي شيء من المال ما يكفى ، فالمبيّن بفتح الباء في الحقيقة محذوف ، والَّذي بعد من عطف بيان له ، والمقصود بذلك تحصيل البيان بعد الابهام ، لأنّ معنى أعجبني زيد ، أي شيء من أشيائه بلا ريب ، فإذا قلت : كرمه أو وجهه ، فقد تبيّنت ذلك الشّيء المبهم . والفاء في قوله : فصارت الدّنيا فصيحة ، وفي قوله : فلا توازرون ، عاطفة مفيدة للسّببية نحو يقوم زيد فيغضب عمرو أي صار قيامه سببا لغضب عمرو ، وجملة تفرحون وتدركونه وتحرمونه ويفوتكم في محال النصب على الحال ، وفي بعض النسخ حين يفوتكم ، بإضافة حين ، وقلَّة صبركم ، بالجرّ عطف على وجوهكم . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة للتنفير عن الدّنيا والترغيب في الآخرة ، ونبّه على جهات النفرة بقوله ( واحذّركم ) من ( الدّنيا ) والرّكون إليها والاعتماد عليها والاغترار بها وبزخارفها ( فإنها منزل قلعة ) أي لا تصح للسّكنى والاستيطان أو لا تدرى متى يكون لك منها التحوّل والارتحال والمضىّ والانتقال ( وليست بدار نجعة ) يطلب فيها الكلاء ويروى من الظماء ، وهو كناية عن انّها لا ينال فيها المراد ولا يوفّق فيها للسّداد ( قد تزيّنت ) للناس ( بغرورها ) وأباطيلها ( وغرّت ) المفتونين بها أي خدعتهم ( بزينتها ) وزخارفها . وهى ( دار هانت على ربّها ) واتصفت بالذّل والهوان لعدم تعلَّق العناية الإلهية عليها بالذات وإنما خلقت لكونها وسيلة إلى غيرها . قال أبو عبد الله عليه السّلام : مرّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بجدى أسك ملقى على مزبلة ،