حبيب الله الهاشمي الخوئي

35

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

قوله : ( هل يحسّ إذا دخل منزلا أم هل تراه إذا توفّى أحدا ) تنبيه على عدم امكان الاحساس به في دخول منازل المتوفّين وعلى عدم امكان رؤيته عند إماتة الناس ، وذلك لكونه جسما لطيفا هوائيا غير قابل للادراك بالحواس ، وقال الشّارح البحراني : ونبّه باستنكار الاحساس به على أنّه ليس بجسم ، إذ كان كلّ جسم من شأنه أن يحسّ بإحدى الحواس الخمس « انتهى » ، وهو مبنيّ على كون الملائكة جواهر مجرّدة غير متحيّزة كما هو مذهب الفلاسفة ، وتحقيق ذلك موكول إلى محلَّه . ثمّ قال ( بل كيف يتوفّى الجنين في بطن امّه ) وهو استعظام لأمره في قبض روح الجنين ، والأقسام المتصوّرة في كيفيّة ذلك القبض ثلاثة أشار إليها بقوله : ( أيلج عليه من بعض جوارحها أم الرّوح أجابته باذن ربّها أم هو ساكن معه في أحشائها ) وهذا التّقسيم حاصر لا يمكن الزيادة عليه . لأنّه إذا فرضناه جسما يقبض الأرواح الَّتي في الأجسام إمّا أن يكون مع الجنين في جوف أمه فيقبض روحه عند حضور أجله ، أو خارجا عنها ، والثاني ينقسم قسمين : أحدهما أن يلج جوف أمه لقبض روحه ، وثانيهما أن يقبضها من غير حاجة إلى الولوج إلى جوفها ، وذلك بأن يطيعه الرّوح وتكون مسخّرة له ومنقادة لأمره إذا أراد قبضها امتدّت إليه . والأظهر الأقوى أن يكون توفية الجنين من قبيل القسم الأخير ، ويدلّ عليه الرّواية الآتية للصّدوق في الفقيه عن الصّادق عليه السّلام وغيرها أيضا ، وعلى مذاق المعتزلة فهو من قبيل الوسط ، لأنّهم قالوا : إنّ كيفيّة القبض ولوج الملك من الفم إلى القلب ، لأنّه جسم لطيف هوائى لا يتعذّر عليه النفوذ في المخارق الضيقة فيخالط الرّوح التي هي كالشبيهة بها ، لأنّها بخارى ، ثمّ يخرج من حيث دخل وهى معه ، ويلزم عليهم أن يغوص الملك في الماء لقبض روح الغريق تحت الماء والتزموا ذلك ، وأجابوا بأنّه لا يستحيل أن يتخلَّل الملك مسام الماء فانّ في الماء مسام ومنافذ كما في غيره من الأجسام ، ولو فرضنا أنه لامسام فيه لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه مكانا كالحجر والسمك ونحوهما ، وكالرّيح الشّديدة التي تقرع ظاهر