حبيب الله الهاشمي الخوئي

333

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فانّ حكمة الخالق سبحانه اقتضت تميّز بعض الموجودات عن بعض بحدودها وحقايقها ، وبعضها بأشكالها وهيئاتها ومقاديرها وغرائزها واخلاقها كما يقتضيه نظام الوجود وأحكام الصّنع وحكم الإرادة الالهيّة . ( بدايا خلايق أحكم صنعها وفطرها على ما أراد وابتدعها ) أي هي مخلوقات عجيبة أو مبتكرة غير محتذى بها حذو خالق سابق ، جعل صنعها محكما متقنا ، وأوجدها على وفق ارادته وأبدعها من العدم المحض إلى الوجود من دون أن تكون لها مادّة أصلا لها كما زعمت الفلاسفة من أنّ الأجسام لها أصل أزلىّ هي المادّة فهو المخترع للممكنات بما فيها من المقادير والأشكال والهيئات ، والمبتدع للموجودات بمالها من الحدود والغايات والنّهايات بمحض القدرة على وفق الإرادة ومقتضى الحكمة . تنبيه اعلم أنّه لما جرى في هذا الفصل ذكر حديث صدور الأشياء عن مشيّته سبحانه أحببت تنقيح ذلك المرام وعزمت على تحقيق الكلام في هذا المقام لكونه من مزالّ الأقدام . فأقول : وباللَّه التكلان وهو المستعان إنّ الكلام في هذا الباب يقع في مقامات ثلاثة . المقام الأول في معنى المشيّة ، وقد فسّرها أهل اللغة بالإرادة قال في القاموس : شئته إشائه شيئا ومشيئة ومشائة ومشائية أرادته ، وفي مجمع البحرين : والمشيّة الإرادة من شاء زيد يشاء من باب قال أراد ، وفي المصباح شاء زيد الأمر يشائه شيئا من باب قال أراده ، والمشيئة اسم منه بالهمز ، والادغام غير سايغ إلَّا على قياس من يحمل الأصلي على الزّايد لكنّه غير منقول ونحوها في ساير كتب اللغة . وأما في الأخبار وأحاديث أئمّتنا الأبرار الأخيار فتارة اطلقتا على معنى