حبيب الله الهاشمي الخوئي
310
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
* ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * هذ . ولما أمر عليه السّلام بالرجوع إلى القرآن والاقتداء به والاستضائة بأنواره والأخذ بما ورد فيه من صفات الحقّ تعالى شأنه وتقدّس ذاته أردفه بقوله : ( وما كلَّفك الشّيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنّة النّبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه فانّ ذلك منتهى حقّ الله عليك ) ومراده عليه السّلام بذلك المنع من تكلَّف ما لم يفرض علمه على المكلَّفين ، والرّدع عن الخوض فيما لم يثبت وجوب معرفته على العباد في الكتاب المبين ، ولا في سنّة النّبيّ الأمين وأئمة الدّين سلام الله عليهم أجمعين معلَّلا بأنّ منتهى حقّ الله على العباد أن يقولوا بما دلّ عليه القرآن ، ويصفوه بالأوصاف الثّابتة في الفرقان ، وينتهوا عما رفع علمه عنهم ويكلوا علمه ويفوّضوه إلى الله السّبحان مشيرا إلى أن تكلَّف ما يزيد على ذلك من تكليفات الشّيطان اللَّعين وتدليساته ووساوسه ليضلّ به عن النهج القويم والصّراط المستقيم . وان شئت توضيح ذلك فأقول : إنّ الكتاب الكريم قد دلّ على أنّه سبحانه عالم وأنه بكلّ شيء محيط ، فيجب لنا الاذعان بذلك وعقد القلب عليه ، وأمّا البحث عن كيفيّة علمه وأنه على أىّ نحو هو فلا يجب علينا ، وربما يؤدّى التعمق فيه إلى الضّلال كما ضلّ فيه كثير من الحكماء . فمنهم من تحيّر في معرفته فنفاه رأسا ، ومنهم من ضاق به الخناق إلى الاطلاق فنفى علمه بالجزئيات ، ومنهم من قرّره على وجه أوجب القول بكون الذّات فاعلا وقابلا وبكونه متّصفا بصفات غير سبلبية ولا إضافية إلى غير ذلك من المفاسد التي نشأت من كثرة البحث فيه على ما مرّ تفصيلا في تنبيه الفصل السّابع من فصول الخطبة الأولى . وكذلك قد ورد في القرآن أنّه تعالى خالق الأشياء ومبدعها ، فيجب لنا الاعتقاد به وليس بفرض علينا أن نتكلَّف البحث في كيفيّة الخلقة حتّى نقع في