حبيب الله الهاشمي الخوئي

4

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إذ يقال جاء زيد ولكن عمروا لم يجيء ، وقد يقال زيد حاضر ولكن عمروا غايب ، ولا يلزم أيضا أن يكون بينهما تضادّ حقيقي بل التّنافي بوجه ما قال تعالى : * ( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) * فانّ عدم الشّكر لا يناسب الافضال ، بل اللَّايق به ان يشكر ، وكلام أمير المؤمنين عليه السّلام من هذا القبيل ، قوله فيقال : في الموضعين بنصب المضارع وانتصابه بعد فاء السّببيّة مع تقدّم النّفي قاعدة كليّة ، وقضاء متقن خبر لمبتدأ وهكذا ما بعده ، وقوله المأمول مع النّقم أيضا خبر أي هو المأمول والمرهوب . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة الشّريفة مشتملة على نكات لطيفة من العلوم الالهيّة متضمّنة لجملة من الصّفات الكمالية . الأولى ما أشار إليه بقوله ( الحمد للَّه الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ) والمستفاد منه شيئان الأول أنّه سبحانه متّصف بالأوّلية والآخرية والظاهريّة والباطنية الثاني أنّ اتّصافه تعالى بها ليس على نحو السبق واللحوق والقبليّة والبعديّة أمّا الأوّل فقد أشير إليه في سورة الحديد قال سبحانه * ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * واختلف في معنى هذه الصّفات فقال الصّدوق في التّوحيد : هو الأوّل بغير ابتداء ، والآخر بغير انتهاء ، والظاهر بآياته التي أظهرها من شواهد قدرته وآثار حكمته وبيّنات حجّته التي عجز الخلق جميعا عن إبداع أصغرها وإنشاء أيسرها وأحقرها عندهم كما قال عزّ وجلّ : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ ا للهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه ُ ) * فليس شيء من خلقه إلَّا وهو شاهد له على وحدانيّته من جميع جهاته وأعرض تبارك وتعالى عن وصف ذاته وهو ظاهر بآياته محتجب بذاته