حبيب الله الهاشمي الخوئي

396

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وشعاعها منبسط على الأرض فإذا غابت الدّارة فلا شمس وإذا قطعت الرّاس ( 1 ) فلا روح . فانّ غرض السّائل أنّ المدرك هو العضو أمّ الرّوح تبصر الأشياء وهذا منظره ، فاختار عليه السّلام الثاني وعلله بأنّ العضو مثل ساير الأجسام الصقيلة يري فيها الوجه كالماء والمرآة فكما أنّها ليست مدركة لما ينطبع فيها فكذا العين وغيرها من المشاعر هذا . وقد أشير إلى منافع السمع والبصر وبعض حكمهما في حديث المفضل المعروف عن الصادق عليه السّلام حيث قال : انظر يا مفضّل إلى هذه الحواس الخمس التي خصّ بها الانسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت العينان في الرّأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكَّن من مطالعة الأشياء ولم تجعل في الأعضاء التي تحتهنّ كاليدين والرّجلين فتعرضها الآفات ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعلَّلها ويؤثّر فيها وينقص منها ، ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلَّبها واطلاعها نحو الأشياء . فلمّا لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواسّ وهو بمنزلة الصّومعة لها ، فجعل الحواسّ خمسا تلقى خمسا لكيلا يفوتها شيء من المحسوسات فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن فيها منفعة . وخلق السّمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها ارب وكذلك ساير الحواسّ . ثمّ يرجع هذا متكافئا فلو كان بصر ولم يكن الألوان لما كان للبصر معنى ، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسّمع موضع فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكلّ حاسة محسوسا يعمل فيه ولكلّ محسوس حاسّة تدركه .

--> ( 1 ) الرأس مذكر وتأنيث الفعل كأنه لاشتماله على الأعضاء الكثيرة ان لم يكن من تحريف النساخ ، بحار .