حبيب الله الهاشمي الخوئي

343

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

باديا من البدائة أي أو من به ابتداء قبل كلّ شيء أو منصوبان على الحالية من الضّمير في به فيكونان في المعنى وصفين للَّه سبحانه ، وهذا هو الأظهر من حيث السياق لأنّ المنصوبات السّتة بعدهما من أوصاف اللَّه تعالى إلَّا أنّ الأوّل أقرب من حيث المعنى فافهم وتأمل . المعنى اعلم أنّ هذه الخطبة له عليه السّلام كما ذكره السّيد من الخطب العجيبة مشتملة على نكات بديعة ومطالب أنيقة حسبما تعرف إليها الإشارة ، وهذا الفصل منها مسوغ للثناء على اللَّه سبحانه باعتبار نعوت جلاله وصفات كماله . فقوله ( الحمد للَّه الَّذي علا بحوله ) إشارة إلى علوّه عزّ وجلّ على كلّ شيء لكن لا بالمعنى المتعارف في الخلق من الفوقية الحسيّة والخيالية بل العلوّ بالغلبة والقهر والاستعلاء بالقدرة والقوّة ، وقوله ( ودنا بطوله ) إشارة إلى قربه من كلّ شيء لكن لا بالمعنى المتعارف في الأجسام المتقارنة بل القرب بالفضل والسعة والدنوّ بالاحسان والعطية . وقد قدّمنا الكلام في علوّه سبحانه ودنوّه بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الخامس والسادس من فصول الخطبة الأولى ، وفي شرح الخطبة التاسعة والأربعين أيضا ، ولئن رجعت إلى ما حقّقناه هناك عرفت أن علوّه سبحانه على الأشياء لا ينافي قربه منها ، وأنّ قربه بها لا ينافي بعده عنها ، فهو تعالى في كمال علوّه على خلقه منهم قريب ، وفي منتهى قربه إلى الخلق عنهم بعيد . وهو سبحانه ( مانح كلّ غنيمة وفضل وكاشف كلّ ) داهية ( عظيمة وأزل ) لأنّ كلّ نعمة مبدئها وجوده ، وكلّ عطية منشؤها كرمه وجوده ، فهو منزل النّعم الجسام ومنفس الكرب العظام ، وهو الصّارف لطارق البلاء والدافع للبأساء والضرّاء وهو مجيب المضطرّ إذا دعاه وكاشف السوء عنه حين ناداه . * ( وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ ا للهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْه ِ تَجْئَرُونَ ،