حبيب الله الهاشمي الخوئي

339

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أموري فانّك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها وإن وكلتني إلى خلقك تجهموا لي وإن ألجأتني إلى قرابتي حرموني وإن أعطونى اعطونى قليلا نكدا ومنّوا علىّ طويلا وذمّوا كثيرا فبفضلك اللهمّ فأغنني وبعظمتك فانعشنى ، وبسعتك فابسط يدي وبما عندك فاكفني . ( و ) السابع انّ ( من ساعاها فاتته و ) الثامن انّ ( من قعد عنها واتته ) وعلَّلهما الشّارح البحراني بأنّ أقوى أسباب هذا الفوات أنّ تحصيلها أكثر ما يكون بمنازعة أهلها عليها ومجاذبتهم ( 1 ) إيّاها وقد علمت ثوران الشّهوة والغضب والحرص عند المجاذبة للشيء وقوّة منع الانسان له وتجاذب الخلق للشيء وعزّته عندهم سبب لتفويت بعضهم له على بعض ، والقعود عنها وتركها وإن كان الغرض منهما المواتاة سبب لمواتاتها كما يفعله أهل الزّهد الظاهري المشوب بالرّيا الذي ترك الدّنيا للدّنيا ، فانّ الزّهد الظاهري أيضا مطلوب الشّارع إذ كان وسيلة إلى الزهد الحقيقي كما قال الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الرّيا قنطرة الاخلاص . أقول والأظهر عندي غير هذا المعنى وهو أن يكون المراد بفواتها في حقّ السّاعين لها عدم بقائها في حقّهم لسرعة زوالها وفنائها فيصبحون مع شدّة رغبتهم إليها وطلبهم إياها وأيديهم عارية من حطامها خالية من زبرجها وزخرفها لحلول الموت ونزول الفوت . ويحتمل إرادة فواتهما عنهم في حال الحياة فيكون كلامه عليه السّلام محمولا على الغالب فانّ أكثر النّاس وأغلبهم مع كونهم تابعين للدّنيا راغبين عن الآخرة لا يقع الدّنيا في أيديهم وإن خلعوا عن أعينهم الكرى وطال لهم السّهر ، وهذا بخلاف التّاركين لها والزّاهدين فيها زهدا حقيقيا ، فانّ الدّنيا مطيعة لهم مقبلة إليهم وهم معرضون عنها غير ناظرين إليها . ألا ترى إلى قول أمير المؤمنين عليه السّلام يا دنيا إليك عنّي أبي تعرّضت أم إلىّ تشوقت لا حان حينك هيهات غريّ غيرى لا حاجة فيك قد طلَّقتك ثلاثا لا رجعة فيها .

--> ( 1 ) تجاذبوا الشيء جذبه كلّ واحد إلى نفسه ، منه .