حبيب الله الهاشمي الخوئي
334
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الاعراب الضمير في قوله فاتته منصوب المحلّ بنزع الخافض أي فاتت منه ، والباء في قوله من أبصر بها للاستعانة أعني الداخلة على آلة الفعل ، وتعدية أبصر بالحرف في قوله ومن أبصر إليها مع كون الفعل في أصله متعدّيا بنفسه إمّا من أجل تضمينه معنى التّوجه والالتفات ، أو من أجل تضمين معنى النظر والأوّل أنسب وأقرب لزيادة ظهور الفرق الذي أشار اليه السّيد بين الفعلين أعني الجملتين على ذلك ، وان كان الثّاني صحيحا أيضا ، وغايته وغوره إمّا بالرفع على النيابة عن الفاعل وإمّا بالنّصب على كون الفعلين مبنيّا للمعلوم وفاعلهما الضّمير المستتر الرّاجع إلى المتأمل . المعنى اعلم أنّ هذا الكلام له عليه السّلام مسوق للتنفير عن الدّنيا والذمّ لها وقد ذكر من أوصافها أمورا عشرة . الأوّل قوله ( ما أصف من دار أوّلها عناء ) أي مشقّة وتعب وذلك لأنّ مبدء نشور الانسان على ما حقّق في الطب هو الماء الدافق يخرج من بين الصّلب والتّرائب ، وذلك الماء إذا وقع في الرّحم اختلط بماء المرأة ودمها وغلظ ثمّ الرّيح يمخض ذلك الماء حتّى يتركه كالرّائب الغليظ ، ثمّ يقسمه في الأعضاء ، فإن كان ذكرا فوجهه قبل ظهر امّه ، وإن كان أنثى فوجهها قبل بطن امّها وذقنه على ركبتيه ويداه على جنبيه مقبض في المشيمة كأنّه مصرور في صرّة ويتنفّس من متنفّس شاقّ وليس منه عضو الَّا كأنه مقموط ( 1 ) فوقه حرّ البطن وتحته ما تحته ، وهو منوط بمعاء من سرّته إلى سرّة امّه ومنها يمتصّ ويعيش من طعام امّه وشرابها . فهو بهذه الحالة في الغمّ والظلمات والضيق حتّى إذا كان وقت ولادته سلط اللَّه الرّيح على بطن امّه وقوى عليه التحريك فتصوب رأسه قبل المخرج فيجد من ضيق المخرج وعصره ما يجده صاحب الرّهق ، فإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو مسّته
--> ( 1 ) هو من القماط وهي الخرقة العريضة التي يقمط أي يشدّ بها الصبىّ ، لغة .