حبيب الله الهاشمي الخوئي

193

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

اما الأول فاليه الإشارة بقوله ( اللهمّ داحي المدحوّات ) أي باسط الأرضين السّبع المبسوطة ، ووصفها بالبسط لا ينافي كرويّتها إذ بسطها باعتبار سطحها البارز الذي هو مسكن الحيوان فانّه في الأوهام سطح مبسوط وإن كان بالاعتبار العقلي محدّبا وإلى ذلك ينظر قوله سبحانه : * ( وَا للهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِساطاً ) * وَ * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِراشاً ) * . ( وداعم المسموكات ) أي حافظ السّماوات المرفوعة بالدّعامة التي هي القدرة على ما مرّ تحقيقه في شرح الفصل الثّامن من فصول الخطبة الأولى ( وجابل القلوب على فطرتها شقيّها وسعيدها ) أراد كونه سبحانه خالق شقىّ القلوب وسعيدها على فطراتها الأصليّة المكتوبة في اللوح المحفوظ ، والمراد بالقلوب النّفوس . وأهل العرفان كثيرا ما يعبّرون عن النّفس بالقلب ، وبالسّعادة ما يوجب دخول الجنّة والنّعمة الدّائمة واللذة الأبدية ، وبالشّقاوة ما يوجب دخول النّار والعقوبات الأبديّة والآلام الدّائمة . فمحصّل المعنى أنه خالق النّفوس وموجدها في الخارج موافقا لفطراتها التي كتبت في الألواح السّماويّة قبل خلق الخلق وقدّرت أنّها من أهل الجنّة أو من أهل النّار موافقا لعلمه سبحانه التّابع لما يختارونه بعد وجودهم وتكليفهم بإرادتهم واختيارهم . وإلى هذا ينظر ما رواه في الكافي باسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : إنّ اللَّه خلق السّعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه ، فمن خلقه اللَّه سعيدا لم يبغضه أبدا وإن عمل شرّا أبغض عمله ولم يبغضه ، وإن كان شقيّا لم يحبّه أبدا وإن عمل صالحا أحبّ عمله وأبغضه لما يصير إليه فإذا أحبّ اللَّه شيئا لم يبغضه أبدا وإذا أبغض شيئا لم يحبّه أبدا .