حبيب الله الهاشمي الخوئي

19

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

محال في حقّه إذ هو خالق المحل والمكان فيلزم افتقاره إلى ما يفتقر إليه وهو محال . وأمّا انّه ليس بناء عن الأشياء أي بعيد فلأنّه لو كان بعيدا لزم أن يكون مباينا منها زايلا عنها ، وذلك أيضا ممتنع . لأنّ قوام الأشياء بوجوده سبحانه وما يتقوّم به وجود الشيء لا يكون بعيدا عنه ، وقد مضى تحقيق الكلام على ذلك ممّا لا مزيد عليه في شرح الفصل الخامس والسّادس من فصول الخطبة الأولى عند بيان معنى قوله : ومن قال فيم فقد ضمنه ، وقوله : مع كلّ شيء لا بمقارنة وغير كلّ شيء لا بمزايلة ، فتذكَّر . والثالثة عشر أنّه ( لم يؤده ) اى لم يثقله ولم يعيه ( خلق ما ابتدء ) واخترع ( ولا ) يكله ( تدبير ما ذرء ) وبرء ( ولا وقف به عجز عمّا خلق ) حتّى اكتفى بما خلق ولم يخلق أزيد من ذلك ( ولا ولجت ) أي دخلت ( عليه شبهة فيما قضا وقدّر بل ) ايجاده ما أوجد باقتضاء تامّ وحكمة بالغة وقضاؤه ( قضاء متقن ) خال عن التزلزل والاضطراب ( وعلم محكم ) برئ من فساد الشكّ وعروض الشبهة والغلط ( وامر مبرم ) موثق لا يحتمل الزّيادة والنّقصان والمقصود بذلك كلَّه تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وتوضيح ذلك محتاج إلى تحقيق الكلام في معنى الجملات الثلاث أمّا الأولى فالمقصود بها أنّه تعالى لا يلحقه في خلقه ثقل وإعياء وتعب وكلل كما قال تعالى : * ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ ا للهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّه ُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * . وقال : * ( وَلا يَؤُدُه ُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) * . وإنّما لم يلحقه الأمور المذكورة لأنّ خلقه سبحانه وايجاده وتدبيره ليس بتوسّط آلة جسمانيّة ولا استعمال رويّة نفسانيّة حتّى يطرئه التّعب والانفعال والثّقل والكلال ، بل فعله الإفاضة وصنعه الابداع النّاشي عن محض علمه وإرادته ، ونحن لو كنّا بحيث لو وجد من نفس علمنا وإراد تناشىء لم يلحقنا من وجوده تعب وانفعال