حبيب الله الهاشمي الخوئي
16
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ضعيف يبهره نور الشّمس في النّهار إذا أشرقت ولهذا إذا امتزج الضّوء بالظلام وضعف ظهوره أبصر بالليل . فكذلك عقول البشر ضعيفة وجمال الحضرة الالهيّة في غاية الاشراق ونهاية الشّمول والاستغراق حتّى لم يشذّ عن ظهوره ذرّة من السّماوات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه فسبحان من احتجب بشدّة ظهوره واختفى عن البصاير باشراق نوره . وأيضا الأشياء قد يستبان بأضدادها وما عمّ وجوده وشموله حتّى لا ضدّ له كأصل الوجود عسر إدراكه ، فلو لا غروب لنور الشّمس ولا احتجاب له عن بعض مواضع الأرض لكنّا ظننّا أن لا هيئة في الأجسام إلَّا سطوحها وألوانها ، ولكن لما غابت الشّمس واظلمت بعض المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين ، وعرفنا وجود النّور بعدمه عند الغروب ، ولولا عدمه ما كنا نطلع عليه إلَّا بعسر شديد هذا . مع أنّ النّور أظهر المحسوسات واللَّه سبحانه أظهر الأشياء وبه ظهرت الأنوار كلَّها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدمت الأرض والسّماء ولا نعدمت الأشياء كلَّها وبطل الملك والملكوت ، ولادركت به الفرق بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لادركت التّفرقة في الدّلالة ، ولكن وجوده دائم في الأحوال ودلالته عامة على نسق واحد في الأشياء ، فلا جرم أورث شدّة الظهور خفائه . ( و ) الحادية عشر أنّه تعالى ( لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوف من عواقب زمان ولا استعانة ) منه ( على ندّ ) ونظير ( مثاور ) أي مواثب ( ولا شريك ) ومثل ( مكاثر ) أي متعرّض للغلبة ( ولا ضدّ منافر ) أي مسارع إليه بالمعادات ، والمراد بذلك كلَّه بيان أنّ اللَّه سبحانه ليس لفعله داع وغرض غير ذاته ، وأشار إليه بنفي أقسام الدّواعي والأغراض وما يلحقها من العوارض والحالات . والبرهان على ذلك أنّه تعالى لو فعل لغرض لا يخلو إما أن يكون وجود ذلك الغرض وعدمه بالنّسبة إليه على سواء أولا يكون كذلك ، والأوّل باطل وإلَّا لكان