حبيب الله الهاشمي الخوئي
12
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
إذا عرفت ذلك فنقول : إن إدراك هذه القوّة للأصوات مشروط بأن يكون الصّوت قريبا لا بعيدا جدّا ، وأن يكون مع قربه على حدّ الاعتدال أي لا يكون قويا كثيرا ولا ضعيفا كذلك ، لأنّه إذا كان ضعيفا لا يحصل بسببه تموّج الهواء كما أنّه لو كان بعيدا لا يصل الهواء المتموّج إلى الصّماخ ، وعند قربه وقوّته ربّما يحدث الصّمم لشدّة قرعه للصّماخ وتفرّق اتّصال الرّوح الحامل لقوّة السّمع عنه بحيث يبطل استعدادها لتأدية القوّة إلى الصّماخ . وإلى الأوّل أشار عليه السّلام بقوله : يصم عن لطيف الأصوات ، تشبيها لعجز السامعة عن إدراك الصّوت بخفائها وضعفه بالصّمم والى الثاني بقوله : ويذهب عنه ما بعد منها وإلى الثالث بقوله ويصمّه كبيرها . ولما كان اللَّه سبحانه وجلَّت عظمته منزّها عن الجسميّة وآلات الجسم وكان سمعه عبارة عن علمه بالمسموعات على ما حقّقناه في شرح الفصل السّادس من فصول الخطبة الأولى لا جرم اختصّ الأوصاف المذكورة أعني العجز عن إدراك الضّعيف والصّمم بسماع القوى وعدم التّمكن من إدراك البعيد بمن كان له هذه الآلات واستحالت في حقّه سبحانه إذ العلم لا يتفاوت بالنّسبة إلى القريب والبعيد والضّعيف والشّديد : * ( لَه ُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّه ُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ) * . ( و ) التاسعة أنّ ( كلّ بصير غيره يعمي عن خفىّ الألوان ولطيف الأجسام ) . والظاهر أنّ المراد بالألوان الخفيّة الألوان الغير المدركة بالابصار لانتفاء شرط الادراك وهو الضوء ، ويقابلها الألوان الظاهرة وهي التي يدركها الباصرة ، وعلى هذا فيكون كلامه عليه السّلام دليلا على بطلان القول بعدم وجود اللَّون في الظلم . توضيح ذلك أنّ الشّيخ الرّئيس وأتباعه ذهبوا إلى أنّ الألوان غير موجودة