حبيب الله الهاشمي الخوئي
57
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
بينهم بالضّرورة ويرى أعمالهم ولا يؤثر نهيه فيهم فهو كالثّكلان الموجع ( قد أخملتهم التّقيه ) من الظالمين ( وشملتهم الذّلة ) بسبب التّقية منهم ( فهم في بحر أجاج ) . يعنى أنّ حالهم في الدّنيا كحال العطشان في البحر الأجاج يريد عدم انتفاعهم بها وعدم استمتاعهم فيها كما لا يستغنى ذو العطاش بالماء المالح ( أفواههم ضامزة ) اى ساكتة وساكنة من الكلام ( وقلوبهم قرحة ) من خشية الرّب تعالى أو لكثرة مشاهدة المنكرات مع عدم التمكن من دفعها ورفعها ( قد وعظوا حتّى ملَّوا ) من الوعظ لعدم التفات الخلق إليهم وعدم تأثير موعظتهم فيهم . ( وقهروا حتّى ذلَّوا ) بين النّاس ( وقتلوا حتّى قلَّوا ) نسبة القتل إلى الجميع مع بقاء البعض من باب اسناد حكم البعض إلى الكلّ ، وهو شايع يقال : بنو فلان قتلوا فلانا ، وإنّما قتله بعضهم وإذا كان حال كرام النّاس الزّاهدين في الدّنيا ذلك ( فلتكن ) لكم بهم أسوة حسنة ولتكن ( الدّنيا ) الدّنية ( في أعينكم أصغر ) وأحقر ( من حثالة القرظ وقراضة الجلم ) وهو أمر للسّامعين باستصغار الدّنيا واستحقارها إلى حدّ لا يكون في نظرهم أحقر منها ، والغرض من ذلك تركهم لها واعراضهم عنها . قيل : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله مرّ على سخلة منبوذة على ظهر الطريق فقال صلَّى اللَّه عليه وآله أترون هذه هينة على أهلها فو اللَّه الدّنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها ، ثمّ قال : الدّنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وشهواتها يطلب من لا فهم له ، وعليها يعادى من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا يقين له . ( واتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم ) وهو أمر بالاتّعاظ بالأمم السّالفة وتنبيه على أنّهم مفارقون للدّنيا لا محالة وكاينون عبرة لغيرهم ، كما أنّ السّابقين عليهم صاروا عبرة لهم ( وارفضوها ذميمة ) أي فارقوا عنها واتركوها حال كونها مذمومة عند العقلا وأولى البصيرة . وذلك لزوال نعيمها وفناء سرورها ونفاد صحبتها وانقطاع لذّتها ( فانّها )