حبيب الله الهاشمي الخوئي

382

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

الحرام وبخس المكيال ونقص الميزان ، وتقدّم إليكم فيما تلى عليكم أن لا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ، وأن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها وأن لا تعثوا في الأرض مفسدين ، ولا تعتدوا إنّ اللَّه لا يحبّ المعتدين . فكلّ خير يدنى إلى الجنّة ويباعد من النّار أمركم به ، وكلّ شرّ يدني إلى النّار ويباعد من الجنّة نهاكم عنه . فلمّا استكمل مدّته من الدّنيا توفّاه اللَّه إليه سعيدا حميدا فيا لها مصيبة خصّت الأقربين وعمّت جميع المسلمين ، ما أصيبوا قبلها بمثلها ولن يعاينوا بعدها أختها فلمّا مضى لسبيله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم تنازع المسلمون الأمر من بعده ، فو اللَّه ما كان يلقى في روعى ولا يخطر على بالى أنّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن أهل بيته ولا أنّهم تنحّوه عنّي من بعده . فما راعني إلا انثيال النّاس على أبي بكر واجفالهم ( 1 ) إليه ليبايعوه ، فأمسكت يدي ورأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وملَّة محمّد في النّاس ممّن تولى الأمر بعده . فلبثت بذلك ما شاء اللَّه حتّى رأيت راجعة من النّاس رجعت عن الاسلام تدعو إلى محق دين اللَّه وملَّة محمّد ، فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما تكون المصيبة ( المصاب خ ل ) بهما أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل ثمّ يزول ما كان منها كما يزول السّراب وكما يتقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ الباطل وزهق وكانت كلمة اللَّه هي العليا ولو كره الكافرون ، فتولى أبو بكر تلك الأمور وسدّد وليس وقارب واقتصد ، فصحبته مناصحا ، وأطعته فيما أطاع اللَّه فيه جاهدا . وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حيّ أن يردّ إلىّ الأمر الذي بايعته فيه طمع مستيقن ولا يئست منه يائس من لا يرجوه ، ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنّه لا يدفعها عنّي

--> ( 1 ) الاجفال الاسراع لغة .